-
ع
+

إشكالية العشق المتبادل بين الحق وفيوضاته

يحيى محمد

تبعاً لمنطق السنخية والتشاكل فان هناك حباً وعشقاً متبادلاً بين المبدأ الحق والفيوضات التي ترشحت عنه. حيث جميع الممكنات تدرك الحق وتتشوق اليه فتنحو باتجاهه وتتحرك الى طلبه بالتشبه. وكما يقول الفارابي ان: ‹‹كل مدرك متشبه من جهة ما يدركه››[i]. فابتداءاً ان للأجرام السماوية نفوساً وعقولاً كثيرة، حيث لكل كرة فلكية مبدؤها المفارق ونفسها التي تخصها والتي تمتاز بالشوق والادراك والتشبه فيتحقق بفعل هذه العملية الحركة لجميع الأجرام. ولدى الفلاسفة وعلى رأسهم ارسطو ان هناك تمييزاً بين المبدأ الاول وسائر المبادئ المفارقة، حيث ان هذه الاخيرة تتصف بانها مختارة وعاشقة لغيرها، بخلاف ما هو الحال في المبدأ الحق، باعتباره مختاراً بذاته، اذ كان الكل متحركاً نحوه، وهو المعشوق للكل[ii]. فلولا كونه معشوقاً ما تحرك شيء ولا تحققت غاية. وتجري العملية بأن يحرك المحرك الأول المتحرك الأول كما يحرك المحبوب المحب له، وهو يحرك ما دون ذلك عن طريق المتحرك الأول. أي ان السماء الأُولى تتحرك عن المحرك الأول بالشوق اليه، وذلك بأن تتشبه بقدر ما في طاقتها، مثلما يتحرك المحب الى التشبّه بمـحبـوبه، وكذا تـتـحرك سـائـر الأجـرام السماوية بالشوق تبعاً لـحركة تلك السماء[iii]. وهـذا الحال مستمر ودائم، أزلاً وأبداً، وذلك باعتبار أن ارسطو وغيره من الفلاسفة يعدون المفارقات والأجرام ونفوسها لا تموت ولا تقبل الفناء. بل ان الفلاسفة جعلوا من العشق سبباً لتأثر العالم الكوني الذي تحت القمر، حيث ان حركة السماء والاجرام سبب لحدوث الاشياء وتكونها[iv]، اذ بالعشق يؤثر المبدأ الاول في العقول، والعقول في النفوس، والنفوس في الاجرام السماوية، حيث تحركها حركة دائمة بالحركة الاختيارية الدورية تشبهاً بالعقول واشتياقاً لها، ومن ذلك تتكون عناصر الارض واشياؤها.[v]

وفي هذه الرؤية لا يعد الفلاسفة لحركة الاجرام السماوية قصداً لحدوث الأشياء السفلية، بل يعتبرون قصدها الأول والحقيقي هو التشبه بالعقول والاشتياق الى الحق وعبادته، فهي حية، وحركاتها ارادية قصدها عبادة الحق والتشبه به في الصفات، مما يعني ان تكوّن الأشياء يأتي بالقصد الثاني وذلك استناداً الى قاعدة (العالي لا يريد السافل ولا يلتفت اليه).[vi]

اذن ان التشبه والتحرك نحو المحبوب تبعاً للحب والعشق هو ما فتأ الفلاسفة يؤكدون عليه لدى جميع الموجودات، سواء تلك التي في عالم الاجرام السماوية، او في ما تحتها من الموجودات والكائنات الطبيعية، اذ مبرر ذلك قائم على وجود التشاكل والتشابه بين المراتب الوجودية، وبالخصوص بين العلة والمعلول، وبالتالي بين مبدأ الوجود الاول وما دونه من الكائنات. وعليه فقد ربط الغزالي بين ظاهرة الحب ومنطق السنخية، حيث عد من أسباب الحب؛ المناسبة والمشاكلة بين الحبيب والمحبوب، لان شبيه الشيء منجذب اليه، مؤيداً كلامه بالحديث النبوي القائل: «الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». وبهذا الاعتبار جعل حب الحق سارياً في خلقه لوجود تلك المناسبة والسنخية.[vii]

وقبل الغزالي صرح ابن سينا في رسالة (العشق) الصوفية بان سريان العشق في كل شيء ليس مكتسباً، بل هو غريزي في جميع الموجودات بالفطرة. فهذه الكائنات لا تعشق الخير المطلق المتمثل بالحق الا لكونه ظاهراً ومتجلياً في كل شيء، بما في ذلك الهيولى فضلاً عن الصورة وجميع البسائط الميتة والحية من مختلف الكائنات والنفوس، حيث تعشقه وتتشبه به بحسب استعداداتها وقابلياتها التي يتجلى لها فيها، فكلما كان الموجود اكثر شرفاً وكمالاً فان عشقه وتشبهه بالحق يكون اعظم، فالعشق والتشبه يتناسبان طرداً مع الشرف والكمال، حيث مع زيادة هذين الاخيرين يعظم الاولان، والعكس بالعكس. فمثلاً ان النفوس الملائكية تنال من الكمال ما ليس لغيرها من النفوس الارضية، فهي تتشبه بالحق في صور ذاتها وتتعقله وتعشقه بافضل ما لديها من الصورة والادراك ازلاً وابداً. وانما يكون لها ذلك تبعاً لما لديها من القابلية والاستعداد العظيم في نيل التجلي الالهي، باعتبارها تقع في المراتب القريبة للحق ضمن السلسلة الوجودية. في حين ان اقل كمال تناله الكائنات هي ابعدها عن الحق في تلك السلسلة، ومن ذلك المحسوسات الطبيعية حيث انها - كما يقول احد الفلاسفة القدماء - تتشبه بالحق، لكن لكثرة قشورها وقلة نورها فانها لا تقدر على حكاية الحق[viii]. ويصل التسافل في السلسلة الوجودية مداه الاخير عند الهيولى، وذلك باعتبار ان وعاءها الوجودي لا يستوعب الا اضعف الدرجات من التجلي وما يترتب عليه من العشق والتشبه[ix]. بل لضعف وعائها الوجودي فان ابن سينا عجز عن اثبات العشق لها في سائر كتبه سوى رسالة (العشق)، مما حدا بصدر المتألهين ان ينكر عليه ذلك بالقدح والنقد[x]، باعتبار ان ذلك لا يتسق مع المؤدى الذي يتطلبه منطق السنخية والمشاكلة.

ومن وجهة نظر هذا الفيلسوف العارف، ان في الاصل يتجلى الحب والعشق عند الحق لجميع الوجودات، وهو ينبعث عن حبه وعشقه لذاته، والذي هو عين علمه للذات المستجمعة لاوصاف الكمال ونعوت الجمال واسماء الجلال. فلولا هذا الحب والعشق لما وجد العالم كما دل عليه الحديث: ‹‹كنت كنزاً مخفياً فاحببت ان أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف››. وكما دل عليه ما قيل: ‹‹لولا العشق ما وجدت سماء ولا ارض ولا بر ولا بحر››[xi]. وسبق للحلاج (المتوفي سنة 309هـ) ان اشار في كتابه (الطواسين) الى ان الحق تعالى قد تجلى لنفسه في الازل، حيث كان ولا شيء معه، فشاهد سبوحات ذاته في ذاته، ونظر الى ذاته فاحبها واثنى على نفسه، فكان هذا تجلياً لذاته في ذاته، ومن ثم كانت محبة الذات هذه هي سبب الكثرة وايجاد الكائنات بعده، حيث شاء الحق ‹‹ان يرى ذلك الحب الذاتي ماثلاً في صورة خارجية، يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الازل واخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته واسمائه، وهي ادم الذي جعله الله على صورته ابد الدهر.. وكان من حيث ظهور الحق في صورته فيه وبه؛ هو هو››.[xii]

وكذا كان ابن عربي يرى ان الحب هو علة خلق العالم واصل جميع الاعتقادات والعبادات، وهو سار في جميع الاكوان حتى الذرات، حيث ان بالحب يندفع الحق الى الظهور بصور الخلق، بل وان بسببه يندفع الخلق الى الفناء والتحلل من الصور ومن ثم الرجوع الى الاصل.[xiii]

هكذا يكون الحب والعشق متبادلاً بين الحق والخلق، وهو علة وجود العالم وحركته وكماله. مع الاخذ بنظر الاعتبار حالة النقص في النظرية الارسطية، ذلك انها لا تعترف بالعشق الا من طرف واحد هو الداني للعالي تبعاً لقاعدة (ان العالي لا يلتفت الى السافل)، اي انها لا تعترف بالعشق النازل الى تحت، انما تكتفي بالعشق الصاعد الى فوق. وبالتالي فانها لا تبرر وجود المفارقات والاجرام السماوية تبعاً لتلك الظاهرة من العشق، حيث لا تعد المبدأ الحق عاشقاً ومحباً لغيره لتبرر بذلك ايجاده للكائنات. وبعبارة اخرى ان ظاهرة الايجاد في الاصل لدى النظرية الارسطية لا تبررها مقولة العشق، وكأن الوجودات ظهرت بالعرض والصدفة نتيجة حركة الاجرام السماوية وتشبهها بالمفارقات والمبدأ الحق. وهي الصدفة ذاتها التي جعلت ما يخرج عن المادة من الصور على شاكلة المبدأ الحق رغم انها مستقلة واجنبية عنه تبعاً لوجهة النظر الارسطية. في حين ان ظاهرة الايجاد مبررة لدى العرفاء واغلب الفلاسفة المسلمين؛ انطلاقاً من العشق النازل، والذي عليه يترتب العشق الصاعد.

هكذا ان العشق في المرتبة الاولى من الوجود - عند الفلاسفة والمتصوفة المسلمين - هو السبب في وجود سائر المراتب والاشياء الاخرى.

 



[i]  الفارابي: فصوص الحكم، مصدر سابق، ص66.

[ii]  تفسير ما بعد الطبيعة، ج3، ص1604.

[iii]  تفسير ما بعد الطبيعة، ج3، ص1606. كذلك: الاسكندر الافروديسي: مقالة في القول في مبادئ الكل بحسب رأي أرسطو طاليس الفيلسوف، وهي في: أرسطو عند العرب، ج1، ص268.

[iv]  طبقاً للنظرية القديمة في تكون الاشياء الارضية هو ان العناصر او الاسطقسات الاربعة تمثل الاصل في جميع الاشياء والمواد الجسمية، وهي تتكون تبعاً لحركة الفلك المستدير، حيث للجرم تعقلات كلية وجزئية وهي قابلة لنوع من التغير الخيالي الذي تتولد عنه حركة الجرم، فيكون اتصال التخيلات سبباً لاتصال تلك الحركة. لكن لما كان الجسم يدور على شيء ثابت في حشوه، فانه يلزم من محاكته له التسخين والحرارة، مما يفضي الى الخفة التي تمثل صورة النار، في حين ان ما يبعد عن ذلك الدوران والاحتكاك يظل ساكناً، فيفضي به الامر الى البرد والتكثف فيكون ارضاً. اما الوسط بين هاتين المنطقتين فهي اقل حرارة وكثافة، وهما يوجبان الترطيب، وهذه الرطوبة من حيث قربها من الحرارة مما تلي النار؛ تكون خفيفة فتتحول الى هواء، ومن حيث قربها في الجهة الاخرى من الارض؛ تكون باردة فيحصل الماء. وبهذا يكون الجرم السماوي في حركته سبباً لتكون العناصر الاربعة. فهذه هي الفكرة القديمة عن تكون العناصر الارضية، والتي زالت مع التطور العلمي بعد النهضة الغربية الحديثة (انظر حول ذلك: رسالة الدعاوي القلبية، ضمن رسائل الفارابي، ص5. والمبدأ والمعاد لابن سينا، ص848. وكتاب ما بعد الطبيعة، من رسائل ابن رشد، مطبعة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الدكن، الطبعة الاولى، 1366هـ ـ 1947م، ص162-163).

[v]  رسالة في معنى الزيادة وكيفية تأثيرها، ضمن رسائل ابن سينا، انتشارات بيدار، ص337. وحكمة الاشراق، ص174-177. والمبدأ والمعاد لصدر المتألهين، ص173.

[vi]  التعليقات لابن سينا، ص102. ورسالة معراج السالكين من فرائد اللالي، مصدر سابق، ص42-43.

[vii]  الغزالي: احياء علوم الدين، دار احياء التراث العربي، ج4، ص306.

[viii]  عن: تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج8، ص205.

[ix]  رسالة العشق، ص75 و22-23 و26.

[x]  الاسفار، ج2، ص233-234 و245-246.

[xi]  المبدأ والمعاد لصدر المتألهين، ص136و156.

[xii]  احمد امين: ظهر الاسلام، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، ج2، ص78.

[xiii]  الفصوص والتعليقات عليه، ج1، الفص الخامس والعشرين، ص2032، وج2، ص303 و326-327.

comments powered by Disqus