-
ع
+

الوجدان الشخصي لغير المختص والفهم الصحيح

يحيى محمد

اذا كنا نعد الدين الاسلامي خلواً من السلطة الكهنوتية وان التخصص في قضاياه المعرفية غرضه تبليغ العلم الصحيح او ما هو اقرب الى الصحة؛ فان رجوع غير المختص الى المختص يفترض امرين هامين: احدهما جهل غير المختص بالقضية التي يراد لها التبليغ. والثاني عدم الشك بصحة القضية التي يعرضها المختص. فلو ان هذين الامرين متحققان للزم ان يكون الرجوع الى المختص واجباً. اما اذا لم يتحقق احدهما او كلاهما فلا جدوى من الرجوع اليه.

وهذا يعني ان فهم القضايا الاسلامية والعلم بها لا ينحصر في دائرة المختصين، مثلما يلاحظ من التلقائية التي كانت تسود بين الصحابة في اخذهم للعلم الشرعي دون الرجوع الى وسائط منهم ما لم يكونوا على جهل او شك فيما يواجهونه من قضايا. فالمهم هو الفهم المقرب للصحة سواء بُني الامر على التخصص وممارسة الادلة الصناعية او على غيره مما يجري بصورة تلقائية. وقد جاء عن النبي (ص) قوله: ‹‹إستفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك[1]، وفي رواية اخرى قوله: ‹‹إستفت قلبك وإستفت نفسك، البِرّ ما إطمأنت إليه النفس وإطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك[2].

وهنا نواجه عدداً من القضايا كالاتي:

 1ـ هناك من القضايا الاسلامية ما يستسلم اليها الوجدان دون ان تحتاج الى التخصص عادة، وذلك لوضوحها ولكونها تشكل روح الدين ومقاصده. فمن حيث انها قطعية تعد حجة لا تحتاج الى جعل شرعي كما يقول اصوليونا.

 2ـ ان الفهم المقرب للصحة لا يتوقف بالضرورة على التخصص. ولا على من تتحقق فيه الاعلمية، فملاك الحكم هو الرجحان والاقربية لا التخصص والاعلمية من حيث ذاتهما. ومن حيث الاعلمية يلاحظ ان حكم الاعلم ليس بحجة في حق المجتهد الأقل منه علماً، فالأعلمية شيء والأخذ بالأقربية شيء آخر، وان المجتهد المفضول إنما يعول على ما يراه أقرب الى حقيقة الحكم ولا يعول مطلقاً على ما يقوله الأعلم لعلمه بأن الأقربية مقدمة على الأعلمية. وان الاقربية انما تتحقق بحسب الرؤية التي يُرى فيها الراجح من الادلة، وهو أمر لا يتوقف تحقيقه عند المختص، انما يمكن لغيره ممن يتصف بخاصية التمييز بين الادلة ومن له قوة البصيرة او الوجدان العقلي ان تتحقق لديه الاقربية والترجيح حتى لو كان ذلك على خلاف ما يراه المختص. بل ان التخصص قد يفضي احياناً الى الابتعاد عن ذلك الفهم المقرب. حيث ان اهم ما تتوقف عليه الاقربية هو طبيعة المنهج المتبع، بدلالة ان المختصين كثيراً ما تختلف رؤاهم تبعاً لاختلاف مناهجهم. بل على الرغم من وجود التخصص في عدد من العلوم التقليدية يلاحظ انها اصبحت اليوم في عداد العلوم غير المنتجة لسلوكها النهج المختل في البحث وفهم القضايا، وينطبق عليها ما كان يقوله عرفاؤنا من ان العلم النظري (التخصصي) قد يكون حجاباً مانعاً للعلم الصادق والكشف عن الحقائق.

 3ـ ان ارتكاز الفهم المقرب على النهج السليم يجعل من امكانية غير المختص من ذوي التمييز والنظر ان يدلو بدلوه وذلك من خلال اتباعه هذا النهج، طالما ان الامر لا يتوقف على التخصص. لكن يظل ان التخصص مع ضميمة المنهج الصحيح يجعل الاقربية اعظم واقوى. مع هذا فالمشكلة تنحصر في المنهج المتبع، اذ ان المختصين التقليديين في الشؤون الاسلامية ما زالوا يتبعون ذات المناهج رغم ما فيها من ضعف وداء تبعاً لما تنتجه من رؤى تتصادم احياناً مع المقاصد، واخرى مع الواقع والوجدان.

 4ـ اخيراً ان ما يميز لنا المنهج السليم عن غيره هو بالدرجة الرئيسية يعتمد على ما يقدم من رؤى يراعى فيها حالة التوافق مع مبادئ الاسلام وكلياته، وكذا روح النصوص ومقاصدها، وايضاً وجدان العقل والواقع.

الوجدان والضابط الموضوعي

على انه سواء لدى المختص او غيره من اصحاب التمييز والنظر نجد ان النزعة غير الموضوعية بامكانها ان تتسرب الى الذهنية وبأشكال متعددة. ولا يقال ان هذه النزعة تقل لدى المختص عن غيره باطلاق. بل على العكس، ربما تزداد عنده تلك النزعة مقارنة مع الاخر، وذلك تأثراً بطبيعة مجال البحث وحيويته. فمثلاً في قضايا العقائد وما يتأسس عليها كثيراً ما تصاب الذهنية العلمية بداء النزعة غير الموضوعية، فيشطح عندها الخيال وتتأسس بها الاوهام مما لا نجده لدى الذهنية العادية العقلائية غير المختصة. ومن ذلك ان علم الكلام التقليدي قد أُصيب بداء نزعة الايديولوجيا المذهبية، حيث فيه كانت المذهبية كانتماء اجتماعي هي اساس تكوين العلم لا العكس، واصبح العمل المعرفي مساقاً بايديولوجيا المذهب عوض ان يساق بابستمولوجيا الحقيقة، ومن ثم أُغلق باب البحث والتفكير وعلا مكانه باب التضليل والتكفير. فالتقليد عوض الاجتهاد المحض هو السائد على البحث والتفكير لدى المختصين في العقائد. حتى ان الغزالي أخذ يحلل هذه الظاهرة التي شاعت بين اوساط العلماء المختصين بحسب الحيل النفسية فذكر يقول: ‹‹وأما إتّباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقاً وقواهم على إتباعه، وإن أردت أن تجرب هذا في الإعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت إنه مذهب الأشعري لنفر وإمتنع عن القبول وإنقلب مكذباً بعين ما صدّق به مهما كان سيء الظن بالأشعري، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا، وكذلك تقرر أمراً معقولاً عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود إلى التكذيب، ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين بإسم العلم، فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل، فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما إعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة، فيضعون الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلاً وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه، وبالدليل كل ما يوافقه، وإنما الحق ضده، وهو أن لا يعتقد شيئاً أصلاً وينظر إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقاً ونقيضه باطلاً، وكل ذلك منشؤه الإستحسان والإستقباح بتقديم الإلفة والتخلق بأخلاق منذ الصبا››[3].

وفي القبال لا يقال ان الاعتماد على وجدان غير المختص هو دعوى للهوى. ذلك ان الانسان سواء كان مختصاً او غيره كثيراً ما يتعرض الى مغريات الهوى. بل ما يواجهه المختص من مغريات يفوق غيره عادة. واصبح من البيّن انه لا يخلو زمان الا وفيه عدد غير قليل من الفقهاء يصطنعون أدلة التشريع تحت هيمنة سلطان الهوى، وعلى رأس ذلك هوى السياسة. ولقد كان الغزالي يكثر من ذم الفقهاء ويفسر علة الاهتمام بالفقه بسبب الجاه والسياسة[4].

لكن مع ذلك ان القيد الذي نضعه في الاعتبار كمسلك للوقاية او التخفيف من الهوى والنزعة غير الموضوعية التي قد تنشأ لدى غير المختص؛ هو التعويل ما أمكن على الوجدان العقلائي بما يكتسبه من وجدان نوعي له طبيعة العموم والشمول لا الفردية والخصوص. فلكي تكتسب القضية الوجدانية القبول الموضوعي وتكون محل اعتبار لا بد ان يحرز فيها الموافقة العقلائية، سواء من حيث التصور في المرتكز الذهني، او من حيث الاجراء الاستخباري اذا ما استدعى الامر ذلك، وهو يمكن ان يتم بطرق عديدة قد يُضمن فيها سلامة الاجراء وربما عدم التحيز، مثلما تتكفل بذلك مناهج البحث في علم الاجتماع.

وهذا يعني ان الرؤية الكشفية العرفانية لما كانت فردية لا تكتسي صفة الشمول والعموم؛ فهي على هذا ليست محل قبول لعدم احرازها الشرط الذي ذكرناه من موافقة الوجدان العقلائي.

 

 



[1] ابن القيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف، دار الجيل، بيروت، 1973م، ج 4، ص254.

[2]  الشاطبي: الاعتصام، دار الكتب الخديوية، مصر، تقديم محمد رشيد رضا، الطبعة الأولى،  1913م، ج 2، ص342ـ343. والحر العاملي: وسائل الشيعة، ج18، أبواب صفات القاضي، ص121.

[3]  الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، دار الأمانة، بيروت، 1388هـ ـ1969م، ص173.

[4] الغزالي: احياء علوم الدين، دار احياء التراث العربي، ج1، ص42 و 68ـ 69.

comments powered by Disqus