توثيق الكتاب:
اسم الكتاب: علم الطريقة، علم منهج الفهم الديني.
الكاتب: يحيى محمد.
دار النشر: العارف للمطبوعات.
الطبعة: الأولى.
سنة النشر: ٢٠١٦
عدد الصفحات: ٧٢٦
مقدمة:
"إن المنهج هو الذي يحدد الفهم الديني وسائر النشاطات المعرفية لا العكس، وإن علم الطريقة هو من يمارس التفكير في المنهج لا بالمنهج"
يتلخص المخض الفكري بكل جنباته في إشكالية المنهج، فمنذ بدء الفكر تساءل المفكرون عن إمكانية إحكام التفكير وفقاً لطريقة معينة في السير فبدأ أرسطو بشق هذا الطريق بفكرة الأورغانون. ثمّ بدأ المخض الفكري بين المعارضة، والقبول، والتجديد، والإصلاح. ولكن ألم يأن الأوان لنحاكم المنهج؟ ونفكر فيه لا به؟
الكاتب: يحيى محمد منظّر في مناهج الفهم الديني والعلم والفلسفة من مواليد ١٩٥٩ في العراق. قضى جل عمره مشغولاً بالشأن الفكري فكتب ونظّر عدة أفكار ومناهج مبثوثة في طيات كتبه ومقالاته[1]
الكتاب: علم الطريقة وهو مقدمة وباب مشروع العمر كما يصفه[2] وهو الجزء الأول من مشروع خماسي عنوانه: المنهج في فهم الإسلام، يروم فيه صاحبه إحداث نقلة فكرية تبتغي التحول من التكفير المذهبي إلى التفكير المنهجي.
بدأت السلسلة بعلم الطريقة وهو موضوع هذا العرض؛ الذي خط فيه الأسس الفكرية العامة والمنهج المتبع الذي يبتغي من خلاله إحقاق مبتغاه السابق، ثم نظم التراث الذي بيّن فيه الدوائر المعرفية في الفكر الإسلامي وحلقاتها مقسماً إياها إلى نظامين الأول: الوجودي متمثلاً بالفلسفة والعرفان- وهو ما يمثل الكتاب الثالث من المشروع - والثاني: المعياري متمثلاً بالعقل الكلامي والدائرة البيانية - وهو ما يمثل الكتاب الرابع في المشروع- ورفدها بنظام ثالث خالٍ من إشكاليات النظامين السابقين وفاتحاً لآفاق أرحب باسم النظام الواقعي.- وهو الكتاب الخامس من المشروع- يتكون هذا الكتاب- علم الطريقة- من مقدمة وأربع مداخل، المداخل الأربع تحوي: ثمان أقسام، وعشرين فصلاً. وخاتمة بقواعد العلم وملحق يحويّ حواراً مطول حول علم الطريقة ثمّ ثبت لمصطلحات ومفاهيم العلم.
ما هو علم الطريقة إذن؟
هو علم يبحث في مناهج الفكر الديني بالدرس والتحليل. فهو لا يمارس الفهم ذاته، لأنها وظيفة المناهج، بل يمارس وظيفة التحليل والتركيب فهو يحلل هذه المناهج وآليات تعاملها مع النص، فهو لا يحتك مباشرة مع النص، بل بالفهم المرتبط به بوصف المنهج فهم للنص، فيأتي علم الطريقة لفهم هذا الفهم. فهو يقلب عملية التفكير من التفكير بواسطة المذهب إلى التفكير فيه أيّ؛ إخضاعه للآلة المنهجية و أحكامها فيُسائِل المذهب لا العكس. وعكسه هو: المتعارف في طيات الفكر الإسلاميّ حيث المذهب يُسائِل المنهج دائماً، والفكر الصادر من الأخير يخضع لمساءلة الأول قبل تشريع قبوله أو رفضه. فما يقدمه علم الطريقة أشبه بالانقلاب الكوبرنيكي.
أهمية علم الطريقة: يمكن شطر الفهم إلى قسمين، واحد متعلق بالطبيعة وهنا يأتي دور العلوم العلمية والآخر متعلق بما سواها وهنا يأتي دور العلوم الإنسانية. ويمكن تمييز الأول بالصرامة الابستيمية والثاني بالرحابة الهرمنيوطيقية. وهنا يأتي دور علم الطريقة بوصفه الجسر الرابط بين الابستيمي والهرمنيوطيقي، فهو يحاكم المناهج بالروح الابستيمية ليقتنص ثغراتها وما يعتريها ويؤسس لقواعد حيادية من دون نسيان الرحابة الهرمنيوطيقية بوصف الفهم طبقات تتلو بعضها بعض. يبدو أن لا غنى عن علم الطريقة بالنسبة للباحث الجاد.
يمكن تلخيص مهام علم الطريقة إلى الآتي:
١: مهمته الأساسية: هي تحقيق المناهج المعرفية الإسلامية وقياس مدى اتساقها وتحقيقها للغاية المرجوة منها، قاطعاً الصلة بأيّ تفكير مذهبي يرخي سدوله حول الفهم. فهو هنا يعود للمنهج بوصفه خاضعاً للتفكير لا نتاج أعمى له.
٢: شمولية الطريقة: لا يكتفي علم الطريقة بالمناهج التي تلتقي بالنص المتمثلة بالفهم الديني، بل هو قابل للتطبيق على كافة ضروب المناهج حتى العلمية[3]
٣: إشكالية الفهم: اللقاء الأول للذات وما يقع خارجها يعرف بالفهم، وعلم الطريقة يرى أن الفهم هو عملية مشتركة بين الذات(ومحتوياتها) والموضوع الخارجي (كالنص مثلاً) والتأثير بينهما لا يخضع لعلاقة واحدة بيّنة بل لعدة علاقات، فيختلف قرب الفهم من الواقع باختلاف الذات وما تحويه.
٤: منهجية الفهم: يودّ علم الطريقة إنشاء آلية منهجية للقراءة تعتمد على ما بثه وناقشه في الكتاب.
غياب علم الطريقة و خصوصيتنا الحضارية:
ولكن لو كان هذا العلم بهذه الأهمية لماذا لم يظهر إلا الآن؟
أن المنطق يفترض أن يكون علم الطريقة سابقاً للعلوم التي يدرسها (كالفقه والكلام والفلسفة وغيرها) بوصفه المحك التي ستقف عنده هذه المناهج ونتائجها، ولكن تاريخ أيّ علم يبدأ بغير ما يراد له مثل: علم أصول الفقه فقد بدأ الشافعي بتركيب أسسه بعد علم الفقه بمدة طويلة والآن لا تنفك دراسة الفقه عن دراسة منطقه وهو؛ الأصول. وكذا في العلوم التجريبية.
إذن فالعلم المحكم دائماً ما يكون محكوماً بالتأخر، لأنه مرتبط بـ الإرهاصات التي توجب ظهوره، فالحديث عن علم الطريقة في عصر يسوده الاعتقاد الجازم بأحقية كل فرقة لما تملك مستحيل. فخصوصية ذاك الزمان أن البيان مرتبط بالدليل والبرهان فلمّا كثر النتاج المزيّن بالبراهين ظهرت الإشكالات، فكيف يكون الكل مالكاً لناصية البرهان وقادراً على إثبات أحقية مذهبه؟ ماذا عن أقرانه؟ أليست الإمكانية مشتركة؟ فلو أن فرداً تمكن من قيادة سيارة، ما المانع من قيادة غيره لها؟ فوجب في عصرنا هذا؛ المخصوص بـ الإشكاليات والشتات القيمي والصدمات الحضارية، وانتشار النقد الذاتي وإعادة مساءلة المناهج، أن يظهر لنا علم مسؤول عن محاكمة كل هذه المناهج واستخراج الغث والسمين منها.
منهجية الكاتب
يمارس علم الطريقة منهجية التحليل الجواني، أيّ أنه يبتغي حفراً داخلياً في المناهج التي يدرسها وفقاً لما حكمت على نفسها به. فهو لا يكتفي بالبحث السطحي التاريخي الذي يهتم بالبداية التاريخية للمنهج ومن استخدمه، بل يروم فهم الأسباب الرئيسة التي تمثل البناء الداخلي للمناهج، راصداً الممارسة المعرفية للمنهج، عبر الأسباب والقواعد التي اختطها المنهج لنفسه. هكذا يتحول المذهب إلى نمط من التفكير داخل المنهج فيكون هو محل المساءلة لا المنهج. يربط علم الطريقة بين المنهجية الابستيمية والمنهجية الهرمنيوطيقية، حيث تعترف الأخيرة بفتح فضاء الفهم وارتباطه بالقبليات المعرفية وهذه نتيجة واضحة. والأولى تبتغي حدوداً للمعرفة العلمية والمحافظة عليها، فعلم الطريقة يستعين بالإبستيما لتضيّق حدود التأويل الهرمنيوطيقي ليكون جسراً رابطاً بين تعدد الأفهام والصرامة المنهجية.
الأفكار الرئيسية
يحتوي الكتاب أفكاراً كثيرة لأن صاحبه يملك ذهناً ولّاداً، أحاول في هذا العرض تغطية الأساسية منها.
أولاً: الجهاز المعرفي
الجهاز المعرفي: هو النسق المعرفي الذي يخترق العلوم والمذاهب ويكونها، فكلٌّ منها يحويّه وان لم ينتبه اصحابها له. من الناحية المنطقية يستحيل أن تتشكل أيّ معرفة موضوعية من دون جهاز معرفي، لأن ايّ نشاط ذهني يحتاج إلى مصدر معرفي واداة منهجية وقبليات معرفية ليتكون. وهذا يشمل الفهم الديني وسواه ـ العلمي مثلاًـ
يتكون الجهاز المعرفي من عدة أركان:
أ: المصدر المعرفي: هو المنبع الذي تصدر عنه المعرفة بالنشأة والتكوين والتأسيس وقد يتمثل في النص، أو العقل، أو الواقع، أو الإلهام الغيبي، ويقوم هذا المصدر بتغذية الأداة المنهجية لكي تعمل على توليد المعرفة اعتماداً عليه.
ب: الأداة المنهجية: هي الواسطة بين عملية الإنتاج والمصدر نفسه فهي الطريقة التي يمارسها الفكر لتكوين المعرفة وتأسيسها، فهي اما تؤسس لها (أيّ المعرفة بوصفها واسطة) أو تستنطق الموضوع المراد دراسته (بوصفها وسيلة للتفكير) وقد تكون عقلية، أو بيانية، أو كشفية، أو علمية.
ج: الأصول المولّدة: هي قبليات الفكر، وهي ذاتها ما تعتمد عليها الأداة المنهجية في توليد واستنطاق المعرفة، وهي المصدر والعقل المنتج للجهاز المعرفي، التي تَصبِغهُ بصِبغتها الاكسيوميّة.
د: الفهم: وهو ممارسة ذهنية خاصة بالنص تتميز عن سائر ضروب المعرفة والإدراك المتعلقة بالأشياء الخارجية والطبيعية. وهو يجري بطريقتين: إما مباشرة مع النص أو بتوسط أفهام أخرى عن النص، فهو أما فهم للنص مباشرة أو شرح لفهم النص.
هـ: الإنتاج والتوليد: هو أيضاً ممارسة ذهنية وهو حصيلة المعرفة السابقة فأما يكون حصيلة كاملة أيّ شامل للأركان السابقة أو حصيلة جزئية إذا فقد أحد الأركان.
ثانياً: البحث الطريقي
في الفهم الديني توجد ثلاث طرق للبحث:
أ: البحث الاستنباطي: هو نوع من البحث المباشر بين الذات والموضوع يبتغي استنطاق المبحوث مباشرة. ويكون تعامله مباشرة مع النص، وفيه يكون البحث سطحياً لأنه يتعامل مع البنية السطحية للفهم.
ب: البحث التاريخي: هو بحث يعني بالتطورات التاريخية للمبحوث عنه. ويكون تعامله مع الفهم لا النص. ويكون سطحياً إيضاً لا يهتم إلا بالتطور التاريخي للفهم.
ج: البحث الطريقي: يُعنى بدراسة مناهج الفهم وقواعده وقوانينه وظيفته هي التفكير في المنهج لا بالمنهج. ولا يتعامل مباشرة مع النص، بل مع الفهم. ويكون بحثاً معمقاً يبتغي البنية الأساسية للفهم.
ثالثاً: آليات القراءة
يقسم علم الطريقة آليات القراءة إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: الإشارة: وفيها يتم الكشف عن معنى النص بشكل مجمل لا مفصل، وبما انها تعتني بظاهر النص فهي تتكون من ثلاث عناصر:
١: الظهور اللفظي: وهو حمل اللفظ على الحقيقة وعلامته التبادر، أيّ؛ انسياب المعنى مباشرة إلى الذهن.
٢: السياق: هو العلاقة القائمة بين الألفاظ داخل النص، ولا يتصور وجود سياق مستقل بذاته دون ألفاظ تنتظم و تترابط فيما بينها. ويعمل عمل العلة المادية التي توجه التبادر الذهني وتساعده على اختيار المعنى المراد للفظ.
٣: المجال: هو مجموع التأسيسات القبلية التي تحدد كيف ينظر المفكر إلى النص أو الواقع. هذه القبليات ليست مُكتسبة بالضرورة من النص نفسه، بل هي شروط منطقية ومنهجية ووجودية تسبق عملية القراءة.
للإشارة ثلاث أنماط:
١:الإشارة الاستظهارية: تلتزم بالظهور اللفظي والمجال النصي معاً.
٢: الإشارة التأويلية : تحتفظ بالمجال النصي العالم، و تصرف اللفظ عن ظاهره المباشر
٣: الإشارة الاستبطانية: تتخلى عن الظهور اللفظي والمجال الظاهر لصالح مجال أو رمز باطني ما.
المرحلة الثانية: الإيضاح: وهي تتأسس على مرحلة الإشارة، وهي تعميق للقراءة الإشارية، بعد تطبيق قوانين الفهم عليها، فهي مثل معنى المعنى. و تتصف بالوضوح والتفصيل عكس الإشارة التي تتصف بالإيجاز والإجمال.
الإيضاح؛ لا يكتفي بالتقاط المعنى الأولي أو المجال المجمل، بل يتعداه إلى مرحلة الشرح وتفصيل الدلالات، لذا يُعبر عنه بـ معنى المعنى أو فهم الفهم.
ولا يتحقق معنى الإيضاح السابق إلا بتحقيق نوع من الكشف عن العلاقتين المفهومية والمصداقية:
الأولى المفهومية: هي بيان معالم المفهوم اللفظي ودلالته الذهنية ومقاصده الداخلية.
والثانية المصداقية: هي الكشف عن كيفية انطباق المعنى المفهوم على الموضوع الخارجي، وهي الغرض الأساسي من قراءة النص الديني.
للإيضاح ثلاثة أنماط:
أ: الإيضاح الاستظهاري: يكشف عن الكيفية المفهومية والمصداقية استناداً إلى الحفاظ على الظهور اللفظي والمجال النصي.
ب: الإيضاح التأويلي: يكشف عن العلاقتين بعد صرف اللفظ عن ظاهره المباشر مع التمسك بالمجال النصي العام.
جـ: الإيضاح الاستبطاني: يسعى للتبيان عبر تجاوز الظهور اللفظي والمجال النصي المباشر إلى باطن أو رمز بعيد.
يظهر أن النص ليس واحداً بل ثلاث!
١: نص مجهول: وهو الأساس الذي لا يقبل التحديد والتعريف من حيث هو هو، ولا علاقة له بالإدراك والذات العارفة.
٢: نص النص: وهو نص معلوم يتمثل بالمرحلة الأولى الإشارية، حيث يقوم على اعتبارات الإدراك والذات العارفة. إذن فهو نتاج أمرين؛ النص المجهول، والذات العارفة.
٣: نص نص النص: وهو نص معلوم يتمثل بالمرحلة الثانية الإيضاحية، حيث يقوم على النص المجهول والنص الإشاري إضافة لذات القارئ وهو بهذا يكون ذات قارئ مضاعفة.
وفقاً لما سبق يظهر أن هناك ثلاث آليات للقراءة ترتبط بعلاقة الذات بعامليّ الظهور اللفظي والمجال:
أ: الآلية الاستظهارية: وفيها يحافظ القارئ على الظهور اللفظي، ولا يخرج عن الظهور المجالي للنص. فهي تراعي السياق وتأخذ بظاهر المجال.
ب:الآلية الاستبطانية: وفيها لا يحافظ القارئ على الظهور اللفظي، ولا المجالي. فلا تحتفظ بالمجال الظاهر من النص وبالتبعية لن تحافظ على الظهور اللفظي للنص. وهي تمارس اسقاطاً تعسفياً على النص حتى تنشئ مجال مختلف عن مجال النص كما الاسماعيلية مثلاً.
ج: الآلية التأويلية: وهي القراءة الوسطية بين الاثنين، فهي تحافظ في قراءتها على الظهور المجالي دون استبدال، ولا تعمل بظاهر اللفظ فقط، بل تتجاوزه وتعمل على تأويل الظهور اللفظي ضمن المجال الذي يلوح أفق النص. وهي في ذلك حافظت على شرط لكِلا القراءتين وتخلفت عن آخر لكل منهما.
رابعاً:القبليات المعرفية و البَعديّات
قلنا سابقاً إن الفهم نتاج مشترك بين الذات(ومحتوياتها) والخارج (النص مثلاً) و القبليات المعرفية ثم البعديات: هي محتويات هذه الذات إلى جوار ما ذكرنا سابقاً، والفهم الناتج عن الذات يسانخ قبلياتها لهذا يركز الكاتب على ضبط هذه القبليات والبعديات.
القبليات المعرفية: هي تأسيس قبليّ للنظر؛ يشمل كافة المعارف، والأطر المرجعية والمسلمات السابقة التي يحملها ذهن القارئ للنص قبل عملية القراءة. وهي شرط الإمكان المعرفي الذي يتيح الفهم والتفكير. إذن؛ هي البنية التحتية العميقة للفهم.
البعديات المعرفية: هي مرحلة بعَديّة للفهم، وهي المعارف والنتائج والاستنباطات المستمدة مباشرة من ذات الموضوع المبحوث أو المقروء بعد ممارسة عملية الفهم عليه. إذن؛ هي مختلفة باختلاف الموضوع فمثلاً: الضرورات الحسية مثل عدم إرادة الجدار وتلك الدينية من مثل وجود الجن والملائكة وكذا الفلسفية مثل إمكان الأشرف وهلم جرا.
ملحوظتان:
الأولى:تمايز بين القبليات الكانتيّة والطريقيّة
تمثل القبليات عند كَنْت مجرد المعرفة العقلية الخالصة التابعة للحس والتجربة.
بينما تتسع في علم الطريقة لتشمل كل معرفة سابقة على تناول الموضوع، سواء كانت حسية، عقلية وواقعية...الخ
الثانية: إن العلاقة بين القبليات والبعديات تتسم بشيء من النسبية والتبادلية؛ ما هو قبلي هنا بَعدي هناك والعكس.
المعرفة الحسية مثلاً: تعد بَعديّة في التفكير الفلسفي المجرد، لكنها قبلية في المعرفة الدينية مثلاً: عند استناد القارئ لمعرفته الحسية بعدم إرادة الجدار لتوجيه قوله تعالى:(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)[4].
كذلك المعارف الدينية المستنبطة تعد بَعديّة بالنسبة للنص الديني لأنها مستخرجة منه، لكنها قبلية بالنسبة للقارئ حين يسقطها على الواقع.ـ مثل الفقيه عند الفتوى-
والقبليات في الجهاز المعرفي تنقسم إلى قسمين:
١:قبليات تصورية: وهي قبليات خاصة بمرحلة التصور وتُشكيل صور الأشياء المعروضة على الذهن.
٢:قبليات تصديقية: وهي قبليات خاصة بمرحلة التصديق والحكم على القضايا.
وللقبليات التصورية شكلان:
الشكل الأول: يتمثل بالحساسية الصورية المتمثلة بقالبي الزمان والمكان والإدراك، إذ لا يمكن إدراك الحوادث الخارجية إلا من خلال الزمان والمكان.
الشكل الثاني: ويعبّر عن الإطار العام لجهاز الحس الصوري الذي يتم به تشكيل الصور المدركة بهيئة معينة دون اخرى، سواء تم تشكيل هذه الصور ابتداءً عبر المعطيات الحسية أو بعد تجميعها وتشكيلها وفق صورة شخصية واحدة.
يصاب هذا الجهاز بنوع من التوهم لأنه يمزج بين الطبيعة الذهنية للذات والأشياء الخارجة المدركة، مما يمنع الإنسان من الخروج التام من سجنه الذاتي لرؤية الأشياء كما هي.
يقسمها الكاتب قسمين:
الاول: أوهام صورية وهي على قسمين:
١: الأوهام الصورية الثابتة: وهي مشتركة بين البشر كافة، لأنها متأصلة ومشتركة بينهم. وهي نتيجة امتزاج الطبيعة الذهنية للإنسان و الأشياء المدركة.
٢: الأوهام الصورية الطارئة: وهي اوهام غير متأصلة ولا مشتركة فينا، بل تستحدث فيما بعد. وهي غارقة في الوهم الخلّاق وتحدث لأسباب طارئة، مثل تخيلات الأطفال لوجود أشياء لا يدل عليها الواقع.
الثاني: أوهام تصديقية تنقسم لأربع:
١:أوهام القبيلة: وتتصف بكونها مصدر خداع بسبب الأوهام الصورية.
٢: أوهام السوق أو اللغة: وهي ناشئة عن التعامل بين الناس الذي تتوسطه اللغة.
٣:أوهام الكهف: وهي على قسمين؛ كسبية بيئية وطبيعية ناتجة عن ميول وأمزجة تكوينية.
٤:أوهام المسرح: وهي خاصة بالاستنتاجات الفكرية المغلوطة.
والقبليات تنقسم إلى قسمين منضبطة وغير منضبطة.
غير منضبطة: وهي القبليات التي تكون ذاتويّة ناتجة عن ميول نفسية وأهواء خاصة متأثرة بالبيئة واحياناً الفسلجة، وهذه القبليات لا تحدد الفهم العلمي، بل تساهم بعدم الوضوح وتشتت الأفكار كتلك التي ذكرها بيكون مثلاً.
القبليات المنضبطة: هي محل البحث والتأكيد لأن الذهن ليس صفحة بيضاء خالية من المعاني، بل هو رهين قبلياته، ويمكن تقسيم القبليات المنضبطة تقسيمات شتى بحسب الاعتبارات مثلاً:
وفقاً لاعتبار الحياد وعدمه؛ القبليات المحايدة التي لا تحمل مضامين قبلية عالية مثل مبدأ عدم التناقض والاحتمالات، وغير حيادية تحمل مضامين عالية قبلية مثل السببية والوجدان العام.
وفقاً لاعتبار التكوين والاكتساب؛ التكوينية مثل الاستقراء والاكتسابية مثل السنخية ووحدة الوجود.
وفقاً لاعتبار التأسيس والتوليد؛ فالمؤسسة مثل مبدأ العلية والمولَّدة مثل قاعدة السنخية.
لكن الكاتب يقسمها وفقاً لاعتبار الخصوصية والاشتراك فبعضها خاص بجماعة معينة وبعضها عام.
فتقسم إلى خمس:
١: قبليات مطلقة: وهي القبليات المشتركة بين الناس جميعاً ولا تحتاج بياناً ولا استدلالاً بوصفها قانون مثل: عدم التناقض.
٢: قبليات عامة: قبليات تغلب على معرفة الناس دون أن تصل حد الإطلاق، مثل التمسك بالفهم العرفي للنص.
٣: قبليات منظومية: وهي عين ما يسلم به الباحث في نظام فكري ما، وهي محل جدل ونقاش بين المفكرين، لأن القبول والرفض رهين التزام الذات بهذا النظام، فمع أنها منضبطة إلا أن في تطبيقها نوع من التعسف.
٤: قبليات محايثة: وهي التي تحايث صدور النص وتزامنه باعتبارها ترتبط بواقع التنزيل ليفهم النص على ضوء ما يفيده هذا الواقع.
٥: قبليات مفترضة: وهي قبليات يفرضها الذهن ضمن سياقات معينة. فمثلما أن هناك قبليات جاهزة وحاضرة في الذهن سلفاً مثل القبليات المنظومية، جاهزة للأسقاط فهناك قبليات غير جاهزة يقوم الذهن بإحضارها عند الإحساس بأن النص غير متسق.
يظهر: ان هناك علاقة تفاعلية عكسية بين القبلي والبعدي. لأن الفهم نتاج مشترك لا ينتج عن النص وحده، بل هو حصيلة تفاعل النص و القبليات المعرفية لذات القارئ.
فينتج عن هذا قانون يسميه الكاتب؛ قانون العلاقة العكسية، فحواه: كلما زاد التأثير والتوجيه القادم من القبليات ضعف التأثير المباشر لظاهر النص والعكس صحيح. ثمّ ان القبليات مثلما تؤثر في تشكيل البَعديّات إن المعارف البَعديّة الناتجة ربما تعود لتعديل قبلية غير مستقرة أو تغييرها.
خامساً: أنواع القراءة
يقسم علم الطريقة القراءة والقارئ إلى أربع:
:١ القراءة والقارئ المُغال: يرى أن من الممكن التعبير عن دلالات النص كما يريدها صاحبه بالضبط، أو أن القارئ يستنسخ المعنى دون أن يزيد أو ينقص شيئاً. هو يسعى لتحقيق حالة التطابق المطلق بين الفهم والنص. يكثر هذا النوع من القراء في التيارات التقليدية والتراثية.
٢: القراءة والقارئ المقصر: يرى أن من المستحيل التحرر كلياً من المعايير والشروط الخاصة بالقراءة (مثل: الثقافة والأيديولوجيا)، وبالتالي يستحيل إصابة المعنى الحقيقي للنص، ويؤكد على عدم إمكان تجاوز تداخل الذات القارئة (القبليات) في عملية الفهم والتأويل. مثل غادماير وريكور.
٣: القراءة والقارئ المسيء: يعتقد أن النص لا يمتلك حقيقة محددة أو معنى معيّن وأن القارئ يمكن أن يجد فيه كل شيء بناءً على اسقاطاته الذاتية، وتنتهي قراءته إلى: أن جميع القراءات متساوية في الأحقية مثل: تفكيكية دريدا وبراغماتية رورتي.
٤: القراءة والقارئ المتواضع: يتخذ موقفاً وسطاً، حيث لا يدعي التطابق المطلق، لكنه يقر بإمكانية حيازة الحد الأدنى من التطابق مع النص. حيث يتحرك ضمن الحد الأدنى والأقصى والقارئ هنا منتمي إلى النص فهو أقربهم إلى النص ومقاصده.
وهؤلاء القراء بذاتياتهم حين يواجهون النص بوصفه موضوع تنتج بينهما علاقة ما يختصرها الكاتب بست اتجاهات:
١:الاتجاه التقليدي: وهو الذي يرى للنص معنى محدد موضوعي، وان ذات القارئ قادرة على اقتناصه وعكسه والكشف عنه.
٢: الاتجاه الوسطي: يرى أن للنص معنى محدد موضوعي محدد، لكن ذات القارئ لا تعكسه بتمامه. بل هناك حد أدنى يمكن أن يصل إليه.
٣ـ: الاتجاه التعددي: يرى أن للنص معاني متعددة موضوعية، وان ذات القارئ قادرة على الكشف عن هذه المعاني بتوجيه منه -النص-.
٤: الاتجاه الذاتي: هو عكس التعددي فيرى أن للنص معان متعددة ذاتية تظهر بفعل اسقاطات القارئ على النص. فالتوجيه من القارئ لا النص.
٥ـ: الاتجاه التوفيقي: يرى أن للنص معاني متعددة نسبية تظهر بفعل مشاركة القارئ للنص.
٦: الاتجاه العدمي: يرى أن ليس للنص معنى تماماً، طالما انه يحمل تناقضاته، وان القارئ كلما أراد الوصول لمعنى وجد نقيضه وهكذا من دون أن تكون للقرادة تحصيل معيّن كالذي يراه دريدا، أو أن تحديد معنى النص يعتمد على حرية القارئ واستعماله له كالذي يراه رورتي.
سادساً: الفهم ومحدداته
الفهم وفقاً لعلم الطريقة هو تصور ذهني لمعنى النص، أو ممارسة ذهنية تعنى بمعرفة ما يتضمنه النص من معنى. فهو ليس النص ذاته، بل ظهور النص لنا. فعلم الطريقة يرى أن النص له وجودان الأول بذاته أيّ النص هو هو والثاني كما يبدو لنا بوصفه مشتركاً بين ذاتيات القارئ والنص ذاته، إذن فالفهم هو طريقة رؤيتنا للنص ذاته.
وهو في هذا ظاهرة علمية تحتاج دراسة كحال العلوم والطبيعة. وهو مسبوق بالمنهج لأن الأخير إطارعام تتحرك فيه ذواتنا.
وعلى هذا، يظهر أن للفهم محددات ذكرنا بعضها سابقاً مثل: الجهاز المعرفي والقبليات، ولكن علم الطريقة يبحث في قوانين الفكر ليستطيع ممارسة الفهم بصورة منضبطة، لأنه وفقاً لما تبين لنا سابقاً إذا تُرك الفهم وحاله قد يصل لنتائج متناقضة أو تعسفية لا ترتبط بالموضوع المراد برابط.
القانون الأول: قانون العلاقة العكسية: يشير إلى وجود علاقة عكسية بين القبليات والنص في تأثيرهما على الفهم. كلما زاد تأثير القبليات كلما ضعف تأثير النص، والعكس صحيح. إذن الفهم نتاج فعل القبليات وانفعال النص.
ووفقاً لهذا الانفعال قوةً وضعفاً وتوسطاً تظهر لنا الآليات سابقة الذكر.
فإذا كان تأثير القبليات ضعيفاً وتأثير النص قوي ستكون القراءة استظهارية، وهي ما يسميه بـ المعنى الضعيف للفهم. لأن القبليات بضعفها تسمح للدلالة النصية بالظهور وممارسة تأثيرها.
وإذا كان تأثير القبليات متوسطاً وكذا تأثير النص ستكون القراءة تأويلية، وهي ما يسميه بـ المعنى المتوسط للفهم.لأن القبليات تمارس تأثيراً متوسطاً مما يسمح للدلالة اللفظية بممارسة تأثير متوسط على الفهم.
وإذا كان تأثير القبليات قوي وتأثير النص ضعيف فتكون القراءة استبطانية، وهي مايسميه بـ المعنى القوي للفهم.لأن القبليات تؤثر بشكل قوي على الفهم مما يجعل الظهور الدلالي ضعيفاً غير قادر على التأثير بالفهم.
وهذه القوانين الثلاث تصدق على نتاج العلوم الطبيعية بنفس القدر الذي تصدق فيه على الفهم الديني.
يظهر أن العلاقة بين الإدراك والنص عكسية. " كلما كان النص فاعلاً كان الإدراك منفعلاً، والعكس بالعكس[5]."
ملحوظة:
ربما يظهر أن إمكان فهم النص بدرجة قريبة من التطابق على الاقل متعذر، لأن القبليات هي التي تحدد الفهم!
فيجيب الكاتب: التطابق ممكن عندما تكون القبليات من نوع العلاقة الضعيفة، فلو تحكم هذا القانون في الفهم لأمكن إنتاج نوع من التطابق بقدر ما يحمل من فهم بالمعنى الضعيف. كالذي عليه القبليات المحايدة ذات المعيار السالب للكشف، فهي لا تضيف للفهم شيئاً غير كشفها عن أحوال النص، او جعل النص ينكشف عن ذاته بذاته من دون تطفل قبلياتنا المنحازة.[6]
القانون الثاني: قانون تحكم فهم الكل بالجزء: أيّ أن فهم الكل يسبق فهم الجزء ويتحكم فيه فالجملة النصية مثلاً هي وحدة أساسية يتشكل منها النص. وفهمها منفصلة لا يشابه فهمها وفقاً للبناء العام التي كانت فيه. والأصل أن والفهم دائماً هو نتاج احتكام الجزئي إلى الكلي من دون العكس. لأن الكل (متمثل بالقبليات والجهاز المعرفي وما ينتج من كليهما بوصفه فهم مجمل) يحكم الجزئي (فهم جملة مفردة من نص مثلاً)، لكن قد يؤدي فهم الجزء احياناً -بواسطة القارئ المتميز- إلى تغير الفهم الكلي أجمالاً، ببركة العودة الدائمة للنص. فكل عودة تؤدي إلى مزيد فهم وربط بين الجزئي والكلي، وهذا نادر الحدوث.
القانون الثالث: قانون تداخل المناهج المعرفية: ليس هناك منهج معرفي خالص، فكل منهج عند ممارسته لعملية الفهم يتعرض للزيادة والنقصان والتداخل بينه وبين مناهج أخرى، فالمنهج الأحادي في الفهم محال. لأن بناء منهج جامع مانع لغيره مستحيل، فيجب أن يتداخل ولو بنسبة ضئيلة بغيره من المناهج. فاللغوي مثلاً لا يكتفي بدلالة الألفاظ على المعاني، بل يعود للواقع وللعقل وغيره. وكذا حال الفيلسوف.
القانون الرابع: الافتقار النسبي: ينص هذا القانون على ان النص المُدوَّن يعاني حالة افتقار إذا ما قيس بالخطاب المشافه، فالنص اقل كفاءة من الخطاب في بيان المقاصد، لأن الأخير خاضع لظروف مساعدة أكثر من النص تتمثل في الدلالات غير اللغوية. لذلك كان فهم الخطاب أيسر وأكثر رحابة من فهم النص. فحتى لو تساوى القارئ والسامع على المستوى الذهني كان السامع أكثر فهماً. لأن النص مجرد والخطاب حيوي. بعبارة أخرى " يتميز الخطاب عن النص بشموليته لدلالة الحقيقة بضبط وإتقان، خلافاً للنص ذي البعد الضيق، لهذا احتاج إلى دلالة التأويل والهرمنيوطيقا[7]"
وتتصف هذه القوانين بكونها معارف حتمية ضرورية تُعبر عن النشاط الذهني ذاته، ولا تخضع لاختيارات القارئ. إذن هي عكس قواعد الفهم التي يختارها القارئ لضبط نشاطه الذهني هذا.
وهذه القواعد يمكن توضيحها عبر فهم محورين، الأول؛ كونها تندرج ضمن القبليات المنضبطة. والثاني؛ إن هذه القواعد على قسمين:
أ: قواعد كبرى: هي أصول كلية شاملة تشكل المادة الأساسية للفكر، مثل: قاعدة الاستقراء، الفهم العرفي...إلخ.
ب: قواعد صغرى: هي قواعد جزئية وخاصة تندرج تحت القواعد الكبرى و تتأسس عليها مثل: حجية الظهور، العموم والخصوص...إلخ
وهذه القواعد سواء أكانت كبرى أو صغرى إما تكون حيادية إجرائية خالية من الانحياز ولا تتضمن تأكيدات سابقة مثل: قاعدة الاستقراء. أو تكون مضمونية تحمل رؤية انحيازية مسبقة تعمل على تشكيل الذهن بما يطابق مضامينها مثل: قاعدة السنخية عند الفلاسفة.
بالنسبة لعلم الطريقة إن أهم قاعدة إجرائية محايدة هي قاعدة الاستقراء، لأن عملية الإدراك برمتها تتوقف عليها سواء في إدراك الواقع أو في فهم النص، وهي حتمية فطرية قائمة على منطق الاحتمالات، ومعيارية حيادية تتصف بكونها كشف سالب لا تتضمن مضامين سابقة أو تشكّل الفهم بحسب قبليتها - مثل السنخية - لذا يمكن عدها معيار منطقي، وقاعدة لاستخلاص المعنى المجمل من النص أو تحديد مساره الكلي قبل الدخول في تفاصيل أجزاءه.
هناك مسلكين لتفسير هذه القاعدة عندما تتعامل مع الظواهر أو النصوص:
١: المسلك التجزيئي: الذي يرى أن دراسة الظواهر أو النصوص يكون بشكل منفصل دون البحث عن رابط أو محور يجمع بينها.
٢: مسلك توحيدي: الذي يسعى لتجاوز التجزئة عبر البحث عن الراوبط والمحاور المشتركة التي تجمع الظواهر والنصوص المختلفة لتفسيرها ضمن نسق واحد متسق.
ولهذا المسلك الأخير ثلاثة مناهج:
أ: المنهج التمثيلي: يركز على اختبار ظاهرة محددة لتفسيرها ثم استخلاص مبدأ عام منها يجعله مقدمة افتراضية يقفز منها إلى القياس التمثيلي لإسقاط حكم وتعميمه على باقي الظواهر المتجانسة مع الأولى. فهو ينطلق من مقدمات قليلة ليعطي نتائج كثيرة، إلا أن موثوقية هذه النتائج ضعيفة لعدم فحص باقي الظواهر. من أمثلته: التفسير الماركسي للتاريخ، وبعض استدلالات الأصوليين والفقهاء.
ب:المنهج الانتزاعي: يفحص عدة ظواهر مختلفة ويلاحظ العامل المقترن الذي يتكرر فيها جميعاً فينتزع ذلك العامل ليُصيّره المحور المفسر للنظرية. فهو يقدم شواهد ومقدمات كثيرة لاستخلاص نتيجة كلية واحدة، بالتالي تكون موثوقيته عالية وقويّة جداً لأنه لا يقفز لتعميم المبدأ على ظواهر غير مختبرة. من أمثلته: صياغة أينشتاين للمجال الموحد، انتزاع مقاصد الشريعة العامة.
جـ: المنهج التكاملي: يجمع بين المنهجين السابقين حيث؛ يتخذ من المنهج الانتزاعي اساساً أولياً لانتزاع المبدأ من الظواهر المختبرة، ثم يقيم عليه سلوك استنباطي افتراضي وفقاً للمنهج التمثيلي، لمد جسور التعميم على الحالات غير المنظورة والمستجدة. لذا نجد قيمته أعلى من الانتزاعي وكفاءته مؤكدة. من أمثلته: قانون الجاذبية، قاعدة المصالح.
سابعاً: مستنبطات الفهم
تعد المستنبطات عملية بعدية فهي تلي قراءة النص وإنتاج الفهم، ويمكن تقسيمها لخمسة أصناف رئيسية:
١: الحقائق المستنبطة: هي المعارف التي تُستنبط من النص، وتكون معلومة دون أيّ شك. وهي على شكلين: الأول: كلية مثل التكليف والثاني: جزئية مثل: لم يذكر شخص في حياة النبي توعده الله بالنار غير أبي لهب.
٢: القواعد المستنبطة: وهي موضع اعتماد التوليد المعرفي لكل المنتمين لنفس الجهاز المعرفي، وهي منتزعة من النص ذاته فهي لا تشابه قواعد الفهم ولا النظريات المستنبطة لأن الأخيرة محل خلاف والقواعد ليست محل خلاف.
٣: النظريات المستنبطة: وهذه تتميز عن نظريات الفهم لارتباطها بالنص المستنبط عنه عكس النظرية التي تكون سابقة عليه. وتتميز هذه النظريات بالتباين فيما بينها من حيث السعة والضيق والاعتماد، والتأثير، والتعارض والاستقلال. ويمكن تقسيمها إلى خمسة أصناف وفقاً للعلاقات الآنفة الذكر:
أ: نظريات الاعتماد: وهي النظريات التي تعتمد عليها نظرية أقل درجة منها، بوصفها العنصر الذي يُبقى النظرية ممكنة. مثل نظرية الإمامة ونظرية القياس.
ب: نظريات التأثير: وهي النظريات التي تتصف بكونها ذات أثر ملحوظ على غيرها من النظريات. والتي يمكن أن تتحول فيما بعد لبارادايم مثل نظرية ولاية الفقيه التي تتأثر فيها نظريات أخرى مثل الخمس والأنفال.
ج: نظريات التعارض: قد تتعارض بعض النظريات فيما بينها وقد تكون متكافئة أو غير متكافئة يترجح بعضها على الآخر. مثل: علة ولاية البكر الصغيرة في التزويج بين الحنفية والشافعية.
د: نظريات الاستيعاب: بعض النظريات تكون قادرة على استيعاب غيرها حتى وان لم تكن سبب إيجادها. مثلاً: نظرية المصلحة للطوفي قد تستوعب جميع نظريات المتعلقة بالمقاصد والمصالح.
هـ: نظريات الاستقلال: بعض النظريات لا ترتبط بالبعض الآخر حسب العلاقات السابقة نسبياً. فقد لا ترتبط ببعضها طبقا للعلاقات السابقة، إنما لها خاصية الحياد والاستقلال النسبي. بمعنى أنه لا بد أن يكون لها ارتباط ما ببعض النظريات، مثلما لابد أن تكون مستقلة بالنسبة للبعض الآخر. مثل تحريم رسم ذوات الأرواح.
٤: القوانين المستنبطة: للنص قوانين أخرى غير تلك السابقة عليه، بل ناتجه منه بوصفها مستنبطات، وهي لا تكشف الواقع، بل مهمتها الربط بين خصائص النص ومضامينه بعضها ببعض. ما يميز القانون المستنبط عن غيره من المستنبطات هو أنه يتصف بوجود جامع مشترك عام يربط بين فئة للنص تتضمن حالات مختلفة وبين خاصية محددة تنطبق على جميع هذه الحالات. ويشترط في القانون المستنبط توفر شرطين، هما: تعدد الحالات، ووجود خاصية مشتركة ثابتة تجمع بين هذه الحالات لتردها إلى قضية واحدة.
وهذه القوانين -المستنبطة- على شكلين:
الأول: القوانين البسيطة: وهي قوانين تحوي صفات ثابتة للحالات التي تعود إليها، لكنها تفتقر لشرط أو أكثر من الشرطين السابقين. مثلاً: قولهم إن كل سورة فيها (كلّا) هي مكية.
كما يدخل تحتها ما يرد في النص من قضايا أخلاقية، والقرآن الكريم مليء بها، ولها صفة عامة مشتركة يؤكد عليها وهي؛ أنها تتجاوز العرق واللون والجماعة والدين. كما أن لهذا ارتباط بتطور المجتمعات وزوالها فكلما زاد المجتمع ظلماً كلما عجل بالهلاك على نفسه. للكاتب قاعدة يرسيها تقول: "يقع القانون الأخلاقي بالنسبة للدين موقع السببية بالنسبة للعلم. فبدون هذا المبدأ لا تقوم للعلم قائمة، وكذا إن بدون القانون الأخلاقي لا تقوم للدين قائمة"[8]
الثاني: القوانين المثمرة: وهذه تمتاز بفوائدها الجلية والمهمة، لكنها صعبة الانتزاع وتحوي شرطين مقارنة بالبسيطة:
١: العلاقة بين النص والخاصية المشتركة يجب أن تكون غير متوقعة سلفاً، لذا تحتاج منا فحص وتقصي للكشف عنها.
٢: أن تتضمن فئة النص حالات كثيرة مختلفة. فتكرار حالة واحدة لا يجعلها داخلة تحت القوانين المثمرة ولو دخلت في البسيطة.
وهذه القوانين تنقسم إلى أربع أقسام:
أ: قوانين تناسب الأعداد: تبحث هذه القوانين عن تناسب أعداد الحروف، أو الألفاظ، أو الجمل، أو السور، أو ما يماثلها، في النص القرآني. مثل أن عدد لفظ الدنيا يتناسب مع عدد لفظ الآخرة. إلا أن هذا التناسب يعد محدود لا يجمعه جامع مشترك عام.
ب: قوانين القسمة العددية: وتبحث هذه القوانين عن الامكانية المشتركة لتقسيم أعداد خاصة بالحروف أو الألفاظ أو غيرها من موارد النص القرآني على عدد محدد. فكلما كان العدد أكبر كان تقسيمه أصعب فصار مثمراً للإعجاز أكثر، فتقسيم حروف السورة على ٢ لا يشابه تقسيمها على ١٩ فالأخير أشد بياناً للإعجاز من الأول.
ج: قوانين التمييز بين السور: وفيها يكون التمييز على أساس أو مجموعة أسس مثل التمييز بين السور المكية والمدنية. حيث تدل قصار السور على المكية والأطول على المدنية، ألا أن في هذا نظر، لأن بعض السور الطوال مكية.
د: قوانين الموضوعات: وهي قوانين تبحث عن إمكانية وجود ثوابت عامة للموضوعات في السور، أو في جملة من السور مثل المدنية والمكية من حيث الوعد والوعيد والموضوعات العقدية.
هـ: المستنبطات بالعلاقة مع (الآخر): ويقصد بها ما يستنبط من النص القرآني بعلاقته بمصادر المعرفة الأخرى، كالعقل والواقع. قد يكون غرضها المقارنة بينها وبين ما تبديه المصادر الأخرى، أو يكون الكشف عن مضامين (الآخر). وربما تداخلت مع مضامين الآخر فصارت النتائج مشتركة. مثل: محاولات التفسير العلمي ونظرية السنن الكاشفة لمحمد باقر الصدر.
ثامناً: معاير التحقيق العلمي
يختلف علم الطريقة عن باقي العلوم الإسلامية في طبيعة الفحص والتحقيق. لأن العلوم الإسلامية تراعي الادلة والبراهين بحسب أُطرها المنهجية الخاصة، مثلاً: علم الفقه يعتمد على الأدلة البيانية، علم الكلام يعتمد على البراهين العقلية …إلخ
أما التحقيق بحسب علم الطريق فهو أمر مختلف إذ يعتمد على معايير عديدة يشترك في قبولها الوجدان العلمي، فهو لا يعول على المعايير الخاصة بل يجعل من المعايير المشتركة محكاً لقبول النظريات أو استبعادها. ولا تقف مهمته على مجرد ترجيح البعض على الآخر، بل يزيد؛ فهو يتخذ معايير وضوابط معيّنة من شأنها تأسيس الفهم والبحث المباشر المتعلق بالنص والخطاب. يبدو أن علم الطريقة أنشأ فهماً جديداً، لأنه لا يكتفي بمجرد التفسير أو التبرير بل يتجاوز ذلك ليضع ماهو جدير بالتأسيس ويبحث عما يلزم ابقاءه من المناهج والنظم وما يجب اهماله لعدم دقته، معتمداً بذلك على الاتساق مع الحقائق الأصلية للخطاب الديني، لا سيما ما يتعلق بنظرية التكليف.
وهذه المعايير تنقسم إلى نوعين: معايير أولية تأسيسية ومعايير ثانوية.
اولاً: المعايير الأولية:
١: معيار المجمل النصي: وينص على اقتناص مجمل الدلالة النصية والحفاظ عليها من دون التوغل في التفاصيل الخلافية ويحوي هذا المعيار جملة من القواعد التي تساعد في عملية الأخذ والرد. مثلاً: قاعدة التأييد البياني للنسق، فبعث الأجساد وكذلك الخلود في النار مؤيد ببيان قرآني عكس المعاد الجسماني الذي يعد من التفاصيل الخلافية.
٢: معيار المعقولية والتعليل: يتهم هذا المعيار بالتفسير المعقول والمعلّل ويرجح التوافق بين ما يظهره النص وما يشهد به الواقع، فيكون الترجيح وفقاً للتعليل وجداني معقول لا رمزي بعيد. مثلاً: تحريم الصدقة على النبي(ص) واهل بيته.
٣: معيار الواقع: وهو من أهم معايير التحقيق، ويُعنى بالكشف عن دلالة النص بواسطته. بل ويساعد على تحقيق أصول القواعد والكشف عن حجية النص، بل واثبات المسألة الدينية برمتها.
وللواقع اقسام:
أ: الواقع المطلق: وهو على قسمين وصفي واعتباري. والأول: تقريري اخباري يختص بالسنن والحقائق مثل: الموت والحياة، تفاعل الإرادة البشرية مع القوانين الكونية، حقيقة كروية الأرض. كذلك الحقائق التاريخية والتقاليد والأعراف العامة. والثاني:الاعتباري: يختص بالقضايا القيمية مثل: اعتبارات المصالح والمضار.
ب: الواقع الخاص بالتنزيل: وهو خاص بعصر النبي (ص).
ج: الواقع الظرفي: يختص بظروف خاصة عدا عصر النبي(ص). وخصوصيته أنه محدود بظروفه الخاصة مثل: بعض التقاليد والأعراف التي ليس لها صفة الشمول والعموم. وهو غير معتبر في عملية التحقيق.
ويملك الواقع قوة تأييد على أساسها نستطيع الجمع بين النظريات أو الرد والقبول، مثلاً: يثبت الواقع حصول كِلا النظريتين من الجبر والتفويض فحياة الإنسان تدور بينهما.
يملك الواقع محورين رئيسيين لفحص النص والكشف عن مضامينه:
أ: الفحص الصدوري: هو توظيف الواقع لأجل تحديد درجة التصديق الخاصة بصدور النص.
ب: الكشف الدلالي: هو الكشف عن دلالة النص استناداً إلى الواقع. وله أنماط عديدة:
١: الكشف التوجيهي: يعمل الواقع بدلاً منّا على توجيه النص إلى غير ما تضره الدلالة اللفظية لتتسق معه من غير مخالفة. فليس المطلوب فيه تفسير النص، بل نفي الظهور الاطلاقي له مثل: قوله تعالى (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[9] لكن يشهد الواقع بهداية كثير من الكافرين والظالمين والفاسقين أو نفي الظهور الدلالي: فقد تبدي الدلالة احياناً ظهوراً من المعنى مخالفاً لما عليه الواقع مثل: قوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)[10] والواقع يشهد بتحكم الكافرين في المؤمنين، فيجب تقيّد الآية بعصر التنزيل.
٢: الكشف المنتظر: النص يتضّمن قضايا مجملة تحتاج إلى الكشف عن دلالتها بدقة من خلال الواقع. مثل: قضية شهادة المرأة في التداين، هل مناط نسيان المرأة هو علة تكوينية؟ أم علة مجتمعية تتغير بتغير الواقع؟ لذا لابد من القيام بجملة من الاختبارات والتجارب لتحقيق مناط هذا الحكم، لهذا فهذا الكشف يتعلق بـ أفق التوقع والأنتظار.
٣: الكشف التوقيفي: النص يبدي دلالة كاشفة عن الواقع، لكن حقيقة هذا الكشف لا تتضح لنا حتى من خلال الواقع مثل: تسبيح الجمادات، حديث النملة مع سليمان(ع). وهنا تقوم الدلالة النصية بالكشف عن الواقع لا العكس.
٤: الكشف الإشاري والإيضاحي: الواقع يكشف عن دلالة النص وتحديدها ، وهو ينقسم إلى نوعين أحدهما مرتبط بحالات خاصة والآخر بالسنن العامة.
الأول: وهو الكشف الخاصي: وهو متعلق بحالات خاصة معيّنة، ينقسم لأقسام كثيرة، مثل: التطابقي مثل؛ تطابق الواقع مع النص في قضية كون الجبال أوتاد. والتقيّدي: الذي يفيد بأن النص مقيد بالظروف التي نزلت فيها الآيات الكريمة مثل تقسيم الغنائم. ومنها الكشف الترجيحي: حيث النص يفسر بحسب الواقع او بدونه لكن إذا كانت قوة ظهور النص تتسق مع دلالة الواقع أكثر فهذا يبعث على ترجيح هذا الكشف على غيره. مثل: حديث النبي(ص) من رأى منكم منكراً...
والثاني: وهو الكشف السنني: الذي ينقسم بدوره إلى كشفين الأول بسيط تجزيئي الذي يدل على سنة عامة كقوله تعالى( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)[11]. وآخر موضوعي معقد يحتاج إلى دوران البحث حول موضوع محدد لما تضمنته جملة من النصوص وهو على شقيّن: شهودي يلاحظ الواقع والآيات كالذي قام به السيد محمد باقر في التفسير الموضوعي، وآخر غيبي قائم على تفسير آيات القضاء والقدر على ضوء الواقع.
٥: الكشف الإشكالي: في هذا الكشف قد يثير النص عدد من القضايا التي تبدو مخالفة للواقع العلمي، مثل السماوات والأرض والشياطين الساكنة في السماء الدنيا التي ترجم بالشهب، وهو خلاف المحسوس والمعلوم. والتفاسير مليئة بمثل هذا، فبعضهم يؤول الواقع وبعضهم يستعين بالكشف العلمي مثل العلامة الآلوسي في نقد تفسير السبع سماوات. لهذا أحيانا يضطر المفسر إلى عدم الأخذ بظاهر الآيات بسبب التخالف مع الواقع كالذي فعله العلامة الطباطبائي في الآيات الأولى من سورة الصافات.
يظهر ان هناك صور متعددة لعلاقة النص بالواقع أحدها الفحص الصدوري الذي يحدد لنا درجة التصديق الخاصة بصور النص، بوصفه قطعي الصدور. والثاني الدلالي الذي ينقسم إلى أنماط وصور كثيرة. وعلى أساس هذا التباين هناك ثلاث مناهج رئيسية للتعامل مع الواقع:
الأول: منهج الفصل والعزل: وفيه يكتفي الباحث بالسياق الدلالي للنص من دون النظر للسياق الواقعي.
الثاني: منهج التحكيم والتفسير: وفيه يقرأ النص من خلال تفاعله مع المنقول من سيرة النبي وأقواله ونصوص آل البيت والصحابة وفيه تكون الحاكمية لهذا المنقول في فهم النص.
الثالث: منهج التوسعة والانفتاح: وهو مختار الكاتب، حيث يقبل كلا السياقين الدلالي والتاريخي ويرى أن التغاير بينهما يؤدي لوجود مساحة مرنة للتشريع الديني. لأن التشريع لم يكن وليد النص وحده، وإلا لكان بصيغة واحدة وقالب ثابت لا يقبل التغيير. والبداهة تحكم بعكس ذلك، حيث أن للواقع تأثير على تغاير التشريع. وفي هذا يفتح الكاتب باباً واسعاً وخطيراً للدراسات المستجدة التي يمكن استخلاصها من مكامن النص وتداخلات الواقع، لذا يصل لنتيجة مؤداها: "أننا كلما ابتعدنا عن الواقع ودلالاته لفهم النص كلما كان احتمال وقوعنا في الخطأ أكبر وأقوى والعكس بالعكس"[12].
٤: معيار الوجدان: يُعبّر هذا المعيار عن رؤية الإنسان العقلية في الحكم على بعض القضايا بغض النظر عن الظروف والأحوال الشخصية. لأن الوجدان وجدانين شخصي وفطري فالشخصي محكوم بالميول والأهواء والثقافة...إلخ. والثاني فطري يعتمد على أحكام فطرية لا تستمد من موضوع خارجي، وقاعدة هذا المعيار العامة هي "كلما كان فهم الخطاب متسقاً مع الوجدان؛ كلما كان أكثر ترجيحاً من غيره"[13].
٥: معيار المنطق: يُعد المنطق معياراً أولياً للتحقيق. ووظيفته هي جعل فهم الخطاب الديني متماسكاً ومتسقاً، ويستخدم المنطق بوصفه قواعد قبلية محايدة للكشف عن قيمة الفهم والنظرية المعرفية. وله عدد من القواعد، بعضها يستخدم للكشف عن قيمة الفهم والنظرية والآخر بوصفه شروط أولية تفرض عليهما.
أ: قاعدة عدم التناقض الذاتي: وتنص على أن الفهم أو النظرية يجب أن لا يحمل تناقض مع الأصول المولدة ومنظومته المعرفية.
ب: قاعدة الاتساق مع الواقع: وتنص على أن الفهم والنظرية لا يُعارضان حقائق الواقع المؤكدة.
ج: قاعدة الاتساق مع الحقائق الاصلية للنص: وتنص على أن الفهم أو النظرية لا يتناقضان مع الحقائق الأصلية للنص كحقيقة التكليف مثلاً.
من الناحية الإبستمولوجية فإن المنظومات الفكرية تنقسم لقسميّن:
الأول: المنظومات المفتوحة: وهي المنظومة القابلة للبحث والفحص من خارج إطارها الذاتي، حيث تسحب عملية التحقيق فيها إلى ساحة المعايير والمسلمات الموضوعية المحايدة.
الثاني: المنظومة المغلقة: وهي المنظومة التي لا تقبل الفحص الخارجي المحايد أو تجريدها عن اعتباراتها المعرفية الخاصة، لأنها تتأسس على مسلمات ضمنية ذاتية تجعل أي محاولة تفكيك تدور في دائرة مغلقة.
وهذا المعيار مهمته هي التحقيق في هذه المنظومات، لذا فله شكلين رئيسيين للتحقيق:
الأول هو التحقيق المباشر: حيث يقوم بفحصها من الداخل من خلال الاعتماد على قاعدة الاستقراء والمنطق الاحتمالي وقاعدته هي:" كلما كان النسق المعرفي يحقق قدراً عظيماً من القرائن الاستقرائية باتجاه محور معين من تفسير النص باتساق، حظي هذا النسق بقيمة معرفية عالية"[14]إذ كثرة الشواهد الدالة على المحور المشترك تزيد من احتمالات التوافق. إذن هو يدرس الجزئيات والمقاطع النصية، وكلما حقق النسق قدراً عالياً من القرائن والدلائل الاستقرائية وتجمعت بشكل كليّ متسق ارتفعت قيمة النسق المعرفية والاحتمالية. مثلاً: في قضية الجبر والتفويض لا يمكن الركون لواحدة على حساب الاخرى لأن النسق الاستقرائي يدل على وجود الأثنين بنفس القيمة لذا ينتج عنه؛ جمع بين القضيتين باتساق من غير إهمال. كذلك قضية الصفات الإلهية، ففي الفحص الناقص يبدو أن صفات مثل: المجيء والاستواء، مثبته. لكنها تعارض بشاهد آخر هو: ليس كمثله شيء. ولو عدنا للمعنى الاستقرائي سنجد ان الارجح إثبات أصل الصفات من دون الوقوع في مشكلتي التشبيه والتجسيم.
والثاني هو التحقيق غير المباشر: وهو متعلق بالمنظومات المغلقة التي تكون مجردة عن الواقع، فيمكن فحصها من خلال منطق الاحتمالات بشرط أن تكون قابلة للتجزئة والتفكيك بحيث يمكن تقسيمها إلى منظومتين إحداهما مفتوحة والأخرى مغلقة ونستعين بالأولى على الثانية. ويصدف أن تكون هناك منظومة مغلقة غير قابلة للتفكيك والتجزئة فهنا يأتي دور قاعدة عدم تكافؤ النفي والإثبات التي يرسيها الكاتب وخلاصتها:أن توفر إمكانات متعددة أكثر من أثنين يعني أن إمكان نفيها سيكون متوقعاً أكثر من إثباتها، لأن زيادة الإمكانات تعني ضعف الاحتمال. مثلاً: لو أردنا حساب عدد النجوم في السماء لكان نفي أيّ رقم أرجح من إثباته لكثرتها فالنفي هو المتوقع هنا لا الإثبات. فهكذا يكون النفي هو الأرجح على الإثبات عند الشك والتردد الحاصل من كثرة الإمكانات.
يبدو أن هذا التحقيق مرتبط بقضية القيم الاحتمالية، وهذه القضية تواجه مسألتين يحتاجان بحثاً:
الأولى: الفرق بين الاحتمال المنطقي والذاتي: فالأول يتصف بكونه ثابتاً لا يتغير بتغير شروط التجربة، بينما الثاني مرن يقبل التعديل والتغير بحسب تجارب الحياة والخبرات المكتسبة. وهو النوع المعني بهذا البحث - التحقيق غير المباشر- لفائدته بتقدير القيمة الاحتمالية للمنظومة المغلقة بالقوة أو الضعف، استناداً إلى الشواهد المستقاة من المفتوحة.
الثانية: مدى تأثر الاحتمالات ببعضها البعض: اختلف المفكرون حول ان كانت الحوادث والتجارب السابقة تزود الذهن بالدليل وتؤثر في تحديد الترجيح والفرضيات أم لا؟
ولهم في هذا مذهبان: الأول: الاتجاه الذاتي؛ الذي يرى أن الحوادث ليست مستقلة عن بعضها البعض في المعرفة، وأن تتابع النتائج يؤثر في تحديد وترجيح الاحتمالات والفرضيات.
الثاني: الاتجاه الموضوعي؛ الذي يرى أن الحوادث مستقلة عن الاحتمالات المستقبلية ولا تأثير مباشر بينهما.
وعلم الطريقة يؤيد الاتجاه الذاتي، لأنه يرى أن هناك مبررات قويّة للتأييد لا يمكن إغفالها مثلاً: ان تتابع الحوادث والتجارب ليس مستقل عن المعرفة الإنسانية بل يزود الذهن بالدليل ويؤثر مباشرة في تعديل وترجيح درجات الاعتقاد بالفرضية والتوقعات المستقبلية.
ثمّ إنه يرى أن الاتجاه الموضوعي مؤداه؛ تنافي بينه وبين الوجدان البشري وكذا التطبيقات العلمية مثل: حساب الاحتمالات.
لذا فالاحتمال الذاتي المرن والاتجاه الذاتي بمبدأ التعلم من الخبرات السابقة يشكلان القاعدة الإبستمولوجية للتحقيق المنطقي غير المباشر.
وجميع المعايير السابقة خاضعة لقواعد أربع للسيطرة عليها وعدم تغولها على البحث والمنظومة المعرفية ويمكن تلخيصها في أربع قواعد:
القاعدة الأول: قاعد التأييد: ويمكن تطبيقها على النسق الذي يحظى بتأييد بدرجات متفاوتة من الظن والتأييد المعرفي.
القاعدة الثانية: الاستبعاد: وهي عكس قاعدة التأييد، ويمكن تطبيقها على النسق عندما يصاب بدرجات من الضعف والاستبعاد المعرفي.
القاعدة الثالثة: قاعدة الإثبات: وتعني تطبيق النسق أو النظرية التي تحمل أعلى درجات التأييد.
القاعدة الرابعة: النفي: وهي على عكس الإثبات، وتطبق على النسق الذي يحمل أضعف الدرجات.
ثانياً: المعايير الثانوية للتحقيق: أبرزها قاعدتان يمكن أن يندمجا معاً، هما: البساطة والشمول:
يقصد بالبساطة أن تكون النظرية بسيطة من ناحية عدم وجود الحشو الزائد وكثرة الاستدلالات والمقدمات مقارنة بغيرها. فهي تحوي أقل حد ممكن من المقولات والمقدمات. لذا فكلما كان النسق غير معقد في صياغته، ومقتصداً في طريقته الدلالية؛ كان مرغوباً به قياساً بالمعقد.
ويقصد بالشمول: أن تكون شاملة لتفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر المختلفة طبقاً لمحور محدد واحد، وكلما كان النسق أو الجهاز أقوى دينامية وشمولية واتساق في تفسيره لأكبر عدد ممكن من الجزئيات والمصاديق كان أكثر قبولاً وموافقة مما هو أقل قدرة وكفاءة منه. وهذا ما نراه في علم الطبيعة حيث ترجح نسبية أينشتاين على جاذبية نيوتن لأنها قادرة على تفسير عدد أكبر من الظواهر وفيها تعميم أوسع.
إذن كلما كان النسق أكثر شمولية في التفسير وأكثر بساطة في التأسيس كان أكثر قبولاً وموافقة.
البساطة والفهم الديني
عرفنا أن كثرة الشواهد الدالة على المحور المشترك تزيد من احتمالات التوافق، وإذا لم يعوّل على القيم الاحتمالية المتجمعة باتجاه محور مشترك، ستخضع جزئيات النص للعزل والتفكيك. وهذا ينافي بساطة التفسير الاستقرائي المشترك ويتجاهل الجامع المعرفي المستنبط من تلك الجزئيات. وهذا التجاهل نفسه هو تعبير عن تجاهل لبساطة هذا التفسير مقارنة بالتفاسير الكثيرة المعقدة. فالنظرية التي يمكنها تفسير أكبر عدد ممكن من جزيئات الخطاب باتساق، تُرجح على سائر النظريات التي لا تصل لمثل ما وصلت إليه. مثل نظرية الطوفي في المصلحة، فهي أشمل من غيرها في تفسير جزئيات النص باتساق. لذا فهذه البساطة ليست ساذجة تجرد الفهم وتلغي دينامية المعرفة، بل هي بساطة معرفية قائمة على اختزال الأنساق المذهبية وإعادتها إلى أصولها الأولى وقوانينها المباشرة
تاسعاً: تنافس معايير الترجيح وتزاحمها
تبقى لنا مشكلة مرتبطة بتزاحم هذه المعايير وكيفية الترجيح فيما بينها، فربما وجدنا نسقاً يجذبنا في جوانب معيارية معينة بينما يضعف في جوانب اخرى، لذا يقع في منافسة بينه وبين نسق آخر. والحل الطريقيّ لهذا الإشكال هو الاحتكام للوجدان العلمي، ليحكم بين هذه الأنساق بعيداً عن الأهواء والذاتوية. مثلاً: في قضية خلافة الإمام علي، يمكن الاستشهاد بالنصوص الروائية التي تثبت خلافته مثل الغدير والمنزلة ...إلخ، وإيضاً يمكن الاستشهاد بالواقع الذي يثبت عدم احتجاجه الصريح بالنص في السقيفة ومبايعة الإمام للشيخين...إلخ.
فكلا النسقين يقدم قوة في جانب وضعف في آخر.
الحل الطريقي للترجيح: يعتمد على ثلاثة معايير هي المنطق الاستقرائي والبداهة الوجدانية والواقع.
١: المنطق الاستقرائي: يعمل كأداة كشف عن معنى النص من خلال القرائن فهو كشف سلبي حيادي. تتفاوت قوة كشفه بحسب ما ذكرنا سابقاً.
٢: البداهة الوجدانية والواقع: وهما متعاليان عن التشكيك من الناحية الكلية، فكل ما يمكن نقده هو بضعة مصاديق من كليهما، أما لو ثبت مصداق مؤكد لأحدهما يثبت تعاليه عن الشك. وإلا لبطلت المعرفة بعمومها.
الخاتمة
في نهاية الكتاب يقوم الكاتب بتطبيق ما ذكر- من ترجيح بين الأنساق- على بحث عذاب الآخرة بوصفه أرض خصبة لهذا التعارض الذي يحتاج ترجيحاً. فيطبق الحل الطريقي في تزاحم الأنساق واختيار أقربها للوجدان العلمي والواقع.
ويمكن اختصار البحث بالآتي:
اولاً: أصل الإشكال: عند البحث في عذاب الآخرة يتعارض معيارين من أهم المعايير وهما:
١: معيار الاستقراء: فهو يدل على كثرة النصوص المؤيدة للعذاب وهي شواهد محكمة دلالياً، وتفصل في كيفيته ومدته.حيث تنص على انه موجود وان الخلود فيه ممكن.
٢: معيار البداهة الوجدانية: فهو يتصادم مع الصورة السابقة للعذاب وطوله بل ويصطدم مع المستنبط من النص الذي يثبت الحكمة والرحمة الإلهية، فكيف يعذب الفرد عذاباً لانهائياً بمجرد كفره وأخطاءه في عمر دنيوي محدد؟ فكيف يتفق طول العذاب مع قصر مدة ارتكاب الذنوب؟
ثانياً: مواقف المناهج التراثية:
المنهج البياني: لا يعترف بالمعيار الثاني ويكتفي بالأول فبمجرد ثبوت العذاب نصياً تكون اعتبارات الثاني لغواً.
المنهج الفلسفي: يمارس نوعاً من التأويل الوجودي الكلي ليخرج العذاب من ظاهره الحسي.
المنهج الكلامي: يقرن هذا العذاب بالعدالة ويعتبره مسلّمة، لكنه يواجه مشكلة بينه وبين المسلمات العقلية فيكون توفيقه صعباً.
ثالثاً: الحل الطريقيّ: يفرق علم الطريقة بين المفهوم والمصداق، فمن ناحية المفهوم: واضح ان النص بالاستقراء يثبت ان هناك عذاب وعقاب خرج لدلالة الردع والتحذير.
لكنه في المصداق يناقش، فيرى أن الضرورة لا تقتضي ان يطابق المصداق مفهومه، فربما هددت ولم تنفذ كما حال الآباء مع أطفالهم فيهددوهم بعقوبات مريعة لكن لا ينفذونها جملةً وتفصيلاً، وهذا يتفق مع الوجدان العام.
يعود بعدها للنظر في قاعدة جواز عدم تنفيذ الوعيد، الفقهاء أجمعوا على وجوب الوعد ولكن سامحوا بالتخلف في الوعيد وعدم تنفيذه.
ولكن لو ركنا لهذه القاعدة سيكون الله حاشاه كاذباً! فكيف يعدنا بشتى أنواع العذاب ثم لا يعذب احداً؟ فيبدأ ببحث لغوي يخلص به أن للكذب معانٍ عدة، ويختار الإيهام بوصفه غاية تربوية فالخالق عز وجل عندما ملأ النص بهذه التهديدات كانت غايته تأديبية تربوية.
ولكنه يصطدم بمشكلة اخرى فكيف يؤول جميع آيات العذاب بما يتفق وطرحه؟ فنجده يقترح أختيار تأويل المعنى الكلي للعذاب لا الآيات الجزئية واحدة تلو الأخرى، لأن مجموع الآيات التي تدل على دوام العذاب لكن نجد أخرى تُعطي نوعاً من التحديد في مدته.
رابعاً: بحث تراثي حول العذاب: يورد الكاتب بحثاً ينقله فخر الدين الرازي عن جماعة من العلماء في كتابه التفسيري (مفاتيح الغيب) يلخص فيه أن هناك ستة أدلة عقلية ووجدانية تنفي العذاب الدائم:
١: الضرر الخالي من المنفعة: تعذيب العبد خالٍ من المنفعة للمُعَذِب، فيقبح صدوره من الحكيم تعالى.
٢: منافاة غاية الخلق: الله خلق عباده لينفعهم لا لإضرارهم، والعصيان لا يمنع الكريم.
٣: خلق الدواعي والطبائع: الله هو الخالق لدواعي المعاصي وطبائع الطيش والجهل في عبده، فيقبح أن يعاقبه على ما خلقه عليه.
٤: عدم تناسب العقاب والجرم: العقاب الشديد الدائم لا يتناسب مع تفويت منافع محدودة، مثل السيد الذي يقطع أعضاء عبده لتركه كسب دينار.
٥: محدودية العمر ومؤبدية العذاب: معصية العبد محدودة بعمره الدنيوي، وتعذيبه إلى الأبد ظلم منافٍ للنسبة والعدل.
٦:التجاوز عن الوعيد مكرمة: التجاوز عن الوعيد مستحسن، والإخبار بالوعيد إنما قصده الزجر والتخويف.
اخيراً يعود لابن عربي ليورد نصاً يتناغم مع النتائج النافية للعذاب.بوصفهما - الرازي وابن عربي- بحثا في ذات الموضوع مع اختلاف الطريقة والهدف.
يختم الكاتب كتابه الثقيل بقواعد علم الطريقة فيقوم بتلخيص قواعد كتابه على شكل نقاط مقتضبة تروم التناسق والوضوح.
ثمّ يزيّن ما سبق بملحق لحوار اجراه معه الأستاذ يوسف محسن حول علم الطريقة ومافيه، ليكون القارئ لهذا الكتاب بعد دورانه ومحاولاته الكثيرة لفهم النص مستعداً ليختم ما سبق بإجابات الكاتب عن تساؤلات تطرح في ذهنه فور فهمه للنص، وبعد خوض القارئ مع يوسف في عقل العلّامة يحيى يختم الأخير كتابه بثبت مصطلحات علم الطريقة وتعريفاتها.
فلله دره من عقلٍ منطقي فذ قادر على تحليل بنية الفهم وتركيبها تركيباً منطقياً لا عشوائياً، يصبو كل جزء فيه إتمام عمله بدقة. ليعود بتشابك نسقي دقيق ليكوّن علماً قادراً على نقد وتميّز المناهج، وفاتحاً الطريق لتكويّن مناهج جديدة أخرى تستقي منه الحيلولة دون الوقوع بما وقعت به المناهج السابقة.
ولعلم الطريقة هذا ثمرتان الأولى في مناهج العلم وهي في كتابه الموسوم: منهج العلم والفهم الديني، وأخرى في الجزء الأخير من مشروعه الخماسي: النظام الواقعي، الذي أرسى فيه قواعد النظام الجديد الخالي من سقطات وإشكالات النظامين السابقين. وهذا لا يعني بمكان أن علم الطريقة مخصوص بالنظام الواقعي أو بما خطته أيادي العلّامة يحيى محمد في بحوثه، بل هو علم شامل كامل بين يدي الباحثين، ينتظر باحثاً ثاقب الذهن منفتح البصيرة ليستخدمه في مجالهِ مستفيداً منه نقداً أو تحليلاً وحتى تركيباً لمشروعه أو بحثه.
أختم عرضي بقول الكاتب: "وغالباً ما تكون القراءة الفاحصة استرجاعية وليست خطية، بمعنى أن من يقرأ النص(المميز) يكثر المعاودة على قراءته بالتقافز[15]"
[1] موقعه الرئيس https://www.fahmaldin.net/index.php?id=135
[2] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص ٧
[3] وهذا ما قام به صاحبه في كتابه الموسوم: منهج العلم والفهم الديني
[4] الكهف، ٧٧
[5] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص٤١٣
[6] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص٤١٥ بتصرف
[7] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص ٤٤٢
[8] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص٤٩٢
[9] المائدة، ١٠٨
[10] النساء، ١٤١
[11] الرعد، ١١
[12] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص ٥٤٦
[13] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص ٥٤٨
[14] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص ٥٥٤
[15] يحيى محمد، علم الطريقة، بيروت: العارف للمطبوعات، ٢٠١٦، ص٤٢٠-٤٢١