-
ع
+

ملاحظات حول الفتوى السيستانية في الولاية التكوينية لأئمة أهل البيت

 يحيى محمد

ثمة ملاحظات مختصرة حول فتوى مكتب السيد السيستاني الصادرة يوم 8 صفر 1445هـ، والتي تبرأت من القول بأن الأئمة هم الخالقون للأكوان والمحيون والمميتون للخلق، واعتبرته من الغلو، لكنها استثنت من ذلك إسناد الخلق أو الإحياء إليهم في بعض الموارد الخاصة بإذن الله تعالى، نظير ما ورد في القرآن الكريم بالنسبة إلى بعض الأنبياء، واعتبرت ذلك ليس من الغلو.

وملاحظاتنا كالتالي:

معلوم ان الروايات هي المصدر المعتمد عليه في إسناد الخلق أو الإحياء إلى الأئمة. لكن جعل هذا الإسناد نظير ما ورد لبعض الانبياء في القرآن لا يصح ما لم يتم التأكد من ثبوت الأحاديث المعنية بهذا الشأن، كحال ثبوت ما ورد في القرآن الكريم. ونعلم مدى قيمة الفارق المعرفي بين الثبوتين.

لو رجعنا إلى ما مذكور في القرآن الكريم حول معاجز الانبياء، نجد إنه اُسندت إلى عدد منهم بعض الأفعال الخارقة المخصوصة من دون تعميم. في حين ما ورد في الأحاديث من علوم الأئمة ومعاجزهم لم يكن أفعالاً مخصوصة، بل قابلاً للتعميم إلى درجة كبيرة. لذلك لا تصح التسوية والقياس بين المذكور حول الانبياء في القرآن، والمذكور حول الأئمة في الروايات.

تضفي الروايات على الأئمة قيمة وجودية مبالغة في جعلهم يختلفون جذراً عن بقية الناس، وليس هذا هو الحال بالنسبة لمن هو أفضل منهم كالنبي المصطفى. إذ كان الأولى ان يحظى بهذه القيمة عوض ان يجعله الله لا يختلف عن سائر البشر وجوداً، باستثناء ان الله اصطفاه لتبليغ الرسالة الإلهية إلى الناس. فالقيمة التي اضفاها القرآن الكريم عليه لم تكن وجودية، بل معيارية، كما جاء في التنزيل: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) القلم\4. لذلك نجد مفارقة بين ما تنطق به الروايات من جهة، وما يؤكده القرآن الكريم من جهة ثانية.

ثمة اكثر من (50) آية تشير بالدلالة الاستقرائية إلى معنى مشترك دال على نفي العصمة المطلقة للانبياء، بمن فيهم نبينا. كما ان بعض الآيات تنفي عن النبي (ص) علم المستقبل والغيب، وان الله لم يُنزل عليه آية كونية اعجازية، كما جاء في التنزيل: ((قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ)) الأعراف\118، ومثل ذلك: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)) الرعد\7. في حين نجد الروايات تطنب في علوم غيب الأئمة ومعاجزهم بلا حدود.

لقد وجد العرفاء والباطنية ضالتهم التي ينشدونها في الولاية التكوينية العامة عبر الاستناد إلى الروايات الكثيرة المغالية في حق الأئمة، فنفوا عنهم مخلوقيتهم، بل واعتبروهم يمثلون مشيئة الله وارادته، وهي من الصفات الإلهية المعنية بالصنع والخلق، على شاكلة الإله الصانع في قبال الإله المتعال لدى الفلاسفة. لذلك استشهد بعضهم كالسيد الخميني بحديث منسوب إلى أحد الأئمة يقول فيه: (لنا مع الله حالات، هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو).

comments powered by Disqus