-
ع
+

تصورات خاطئة (47) هل في القرآن عقوبات حول أركان الاسلام؟

يحيى محمد

يتصور الكثير خطأً أن القرآن الكريم ينص على بعض العقوبات المتعلقة بأركان الاسلام الخمسة..

والحال ان هذا غير ثابت على نحو القضايا المستقلة.

ومن حيث التفصيل تضمّن النص القرآني العديد من العقوبات المتعلقة بالسلوك البشري، سواء كانت دنيوية او اخروية. وقد تُقسّم من جهة الى فئتين من العقوبات، احداهما مناطة بالجانب الديني الصرف؛ كاللغو في الأيمان والصيد في الحرم، وأخرى مرتبطة بالعدالة والقيم والمصالح العامة؛ كالقتل والسرقة والافساد في الارض.

كذلك قد تُقسّم من جهة ثانية الى عقوبات ذات مسائل مستقلة، كما في القاتل والسارق والزاني، والتي لا ترتبط بغيرها من القضايا؛ كالكذب او الفسق او الكفر او غيرها، والى عقوبات مقيدة بمسائل مترابطة، كما في الكفر والشرك؛ سواء من حيث قتل الكافرين والمشركين في الدنيا، او تعذيبهم في الاخرة، حيث العقوبة الواردة فيهم مرتهنة باقتران عدد من الاحوال، كالشر والفساد والعدوان، مضافاً الى الكفر والشرك. فعلى الاقل ان عقوبة الكفر والشرك في الدنيا لم تأتِ دون ملازمات ترتبط بهما واقعياً، كالذي فصلنا الحديث عنه في (النظام الواقعي).

وهذا هو التقسيم الذي يعنينا في البحث المتعلق باركان الاسلام. فقد حددها اهل السنة وفق عدد من الروايات، كما في الصحيحين، بكل من الشهادتين واقامة الصلاة وايتاء الزكاة والحج وصوم رمضان. واضاف البعض فرضاً سادساً هو الجهاد. كما نجد لدى عدد من الروايات الشيعية ان الاسلام بني على تلك الفرائض الخمس، او بعض منها، مع اضافة ركن الولاية.

ونلاحظ ان هذه الفرائض قابلة للتقسيم الى نمطين، احدهما يعبر عن حاجة اجتماعية ملحة، كفريضة الزكاة، ومثلها الجهاد كدفاع عن النفس، فيما يعبر الاخر عن حاجة روحية مع اخذ اعتبار انعكاساتها الايجابية على العلاقات الاجتماعية، كما هو حال بقية الفرائض.

وحول العقوبات المتعلقة بها، نلاحظ انه باستثناء الجهاد لم يرد فيها عقوبة مستقلة. فالجهاد هو المستثى الذي جاء فيه وعيد الآخرة، كما في جملة من الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) الانفال\15-16.

وبلا شك ان العقوبة المرتبطة بالجهاد لها مبرراتها الهادفة الى حفظ الكيان الاسلامي دون تعرضه لخطر الزوال بفعل التهاون مع هذا الفرض.

هذا بالنسبة للجهاد الذي اضافه البعض الى الفرائض الخمسة المتفق عليها.

أما بقية الاركان فأغلبها يخلو من العقوبات تماماً؛ دنيا وآخرة، سواء من حيث استقلالها، او من حيث ارتباطها بقضايا اخرى. فباستثناء الصلاة لم يرد شيء حول بقية الفرائض، وهي كل من الشهادتين والزكاة والصيام والحج.

وقد يقال بان معنى العقوبة في الحج حاضر لدى بعض الآيات الكريمة، لكن الله اسقطها، كما في قوله تعالى: ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) البقرة\ 203.

وحقيقة ان علماء التفسير وجدوا في الآية المشار اليها دلالة اخرى مختلفة. فقد لاحظوا ان الاثم في الآية لو انيط بتأخير النفر من منى أيام التشريق (وهي من الحادي عشر الى الثالث عشر من ذي الحجة)، كما انيط بالتعجيل، لما استقام، ورأوا ان المتأخر يُفترض ان يكون له الاجر والثواب لكثرة العبادة. لذلك من المفسرين من تأول الاثم بمعنى الحرج والجناح، اي لا حرج عليه ولا جناح سواء في التعجيل او التأخير. في حين ذهب الكثير الى ان معنى قوله تعالى ((فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ))  هو غفران الذنوب جميعاً بعد اتمام الحج.

تبقى الصلاة، فهي الفرض الوحيد الذي اشارت اليه بعض الآيات الكريمة بالعقوبة، كالذي جاء في قوله تعالى من سورة الماعون: ((فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)) الماعون\4-7. ومثل ذلك جاء في قوله من سورة مريم: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً)) مريم\58-60.

لكن يلاحظ في هذه الآيات ان العقوبة الواردة حولها هي في الآخرة لا الدنيا، كما ان هذه العقوبة جاءت حول قضايا مترابطة من دون استقلال، حيث ذُكر الرياء ومنع الماعون مقترنين بالساهين عن الصلاة، واتباع الشهوات مقترناً بمن أضاعوها. في حين يُطلعنا الواقع على اطياف مختلفة من الارتباطات المتعلقة بها، منها ما اشار اليه القرآن، ومنها غير ذلك، فبعض الناس قد يتصف بالخير والصلاح رغم تقصيره فيها، كما قد يكون من غير المصلين. وبالتالي فالجميع ليس سواء..

وعليه نقول: لو صدقت الاحكام القاسية التي فرضها الفقهاء بشكل ثابت حول ترك بعض هذه الفرائض، مثل قتل تارك الصلاة، لكنّا قد وجدنا لها بعض الشواهد في النص القرآني. وحيث لم نجد اي شاهد على القتل؛ لذا فهو من الحرمات العظيمة والجرائم التي لا يبررها سوى الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً.

comments powered by Disqus