-
ع
+

العقل وتصحيح رؤى الكشف لدى العرفاء

يحيى محمد

ليس جميع العرفاء من يمقت التفكير العقلي، أو يرى العقل في تضاد مع الكشف، فهم وإن اتفقوا على أنه أقل منزلة من هذا الأخير بمن فيهم أهل الإشراق الذين خلطوا بين الفلسفة والعرفان، إلا أن منهم من يمتدحه، كما هو الحال مع القشيري الذي جعل منه خطوة أولى تتبعها خطوة البيان ثم العرفان، وكلها عنده خطوات عبارة عن أنوار.

ومن العرفاء من رأى العقل عاجزاً فعلاً، إلا أن الله كحله بنور الوحدانية، كما هو الحال مع العارف النوري الذي سُئل: ما الدليل على الله؟ فأجاب: الله. فقيل فما بال العقل؟ فردّ: العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله، حيث «لما خلق الله العقل، قال له: من أنا؟ فسكت، فكحله بنور الوحدانية، فقال: أنت الله.. فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله»1.

وهناك جماعة من العرفاء الإشراقيين جعلوا العقل مقدمة ضرورية لصحة الكشف. فهو موضوع هذه المرة كمصحح ومهذب للرؤية الصوفية، كما هو الحال مع الغزالي والسهروردي وصدر المتألهين وأبي حامد التركة وغيرهم.

وحول الغزالي يلاحظ أن لديه نوعاً من التردد في موقفه من علاقة العقل بالكشف، فتارة انه اعتقد بأن العقل ليس له مجال في مسائل الغيب مما وراء الطبيعة أكثر من إثبات ذات المرسل والنظر في دليل المعجزة، أما بعد ذلك فهو «معزول عنه بالكلية»2. وأخرى انه خفف من هذا المعنى فأكّد على أن «العقل لا يصطدم مع الكشف في شيء، غاية ما هنالك أن العقل لضعفه وقصوره يعجز أحياناً عن أن يبدي الرأي في مسألة ما، فيسعفه الوحي أو الإلهام بتبيانها، فتارة يدرك العقل وجه الحكمة فيها، وهنا يستطيع أن يشدّ من أزر الوحي والالهام، بما يمكنه من فنون الأدلة الفكرية وضروب المحاولات العقلية. وتارة لا يدرك وجه الحكمة فيقف صامتاً لا يملك المساعدة، وليس معنى هذا، القول بإستحالة المسألة عنده، ففرق كبير بين ما يعجز العقل عن إدراكه، وبين ما يدرك وجه إستحالته»3. كما وتارة ثالثة انه نفى أن يكون بينهما فرق، لا بالعلم ولا في محله ولا في سببه، بل في زوال الحجاب فقط، فالعناية الإلهية هي التي تباشر ازالة الحجاب عن قلب الكاشف الملهم، بخلاف ما يحصل لصاحب العقل الذي يتوجب عليه أن يزيل الحجاب بنفسه ليصل إلى الحقيقة من خلال علمه المكتسب، فبهذا التمييز فسّر الغزالي ميل أهل التصوف إلى العلوم الكشفية الإلهامية دون العقلية التعليمية4. ورغم هذه الترددات إلا أن جوهر ما يريده هذا العارف من العقل هو أن يكون مقدماً على الكشف ومصححاً لرؤاه عندما يكون واقعاً تحت أسر السنخية اللاسببية، كما هو الحال عند أغلب العرفاء. فمبدؤه الذي مرّ علينا والقائل: «من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر..» فيه تلويح إلى أن طريق العرفان لا يكون إلا بعد المرور بقنطرة العقل، وهو المعنى الذي يؤكده قوله: «.. إن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم، ثم تفكرت في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب الغيب.. فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب عالماً كاملاً عاقلاً ملهماً مؤيداً..»5.

فالذي حدا بالغزالي إلى أن يتشبث بالعقل كمقدمة علمية للكشف، هو خوفه من خرق السببية. ولا يغرنّك إعتراضاته على الفلاسفة كما في (تهافت الفلاسفة) وتكفيره لهم في عدد من القضايا، فبالرغم من أن كتبه الكلامية تُظهر أنه لا يعتقد بالضرورة السببية التي يقول بها الفلاسفة، إلا أن عقيدته الوجودية كانت مثقلة بحملها، فهو يقر بالترتيب السببي الفلسفي6، ويرى مراتب الوجود لا تتفاوت إلا بالشدة والضعف من الكمال حسب السنخية، فهي تتباين كتباين مراتب النور الواحد، من الشمس فضوء القمر ثم النور المنعكس منه على المرآة فإلى الأرض. الأمر الذي جعله يرفض القول بوحدة الوجود الشخصية، ولا يتقبل مقالات الإتحاد والحلول التي يشطح بها العرفاء، فهي عنده عبارة عن خيالات يحيلها العقل تماماً كما سنرى. فلولا إعتقاده بالضرورة السببية كما لدى الفلاسفة ما كان بإستطاعته أن يحيلها عقلاً. لهذا كان إبن رشد ينسب ميوله التي بثّها في كتبه إلى مذهب الفلاسفة، لا سيما كتاب (مشكاة الأنوار) الذي كشف فيه عن تباين مراتب الوجود شبيهاً بما يحصل مع النور في كماله وضعفه7.

كذلك أن زعيم الإشراق السهروردي يرى التجربة الصوفية يلحقها خطر المتاهة الشديد إن لم تقترن بالتكوين الفلسفي المسبق8.

أما موقف صدر المتألهين من العقل في علاقته بالكشف فهو متردد فعلاً. فمن جهة أنه يبدي ذمه وتحديده للتفكير العقلي، ويعلن أن النتائج الصحيحة لهذا التفكير هي مجملة وضئيلة للغاية. فمثلاً يُعرف به أن لسلسلة الممكنات مبدءاً يرجح وجودها على عدمها، فيكون واجباً لذاته. إضافة إلى أن ما يثبته من صفات للواجب يرجع أكثر مفهوماتها إلى سلوب محضة أو إضافات أو غير ذلك من المعلومات التي حقيقتها إدراكات إجمالية للمفاهيم الكلية. من هنا فقد عوّل على طريق آخر للمعرفة حدده بأمرين: إما إخبار الشارع، أو بواسطة الشهود العياني الذي يتحلى به الأنبياء والأولياء وأمثالهم من العرفاء الكاملين9.

وقد اقتضاه ذلك أن يصوّر لنا مدى فداحة الفارق بين التفكير النظري والكشف، فذكر يقول: إن الكاملين علموا الحقائق علماً لا يطرأ عليه ريب، وأرباب النظر عباد أفكارهم: ((أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم))10، أي جهنم البعد والحرمان عن درك الحقائق وأنواره، إذ لا يقبلون إلا ما أفرزته عقولهم11. لذا دعا إلى تخلية النفس من غشاوة العلوم التقليدية، كي تكون قابلة للكشف الإلهي العظيم. وكما قال: «واعلم أن النفس ما لم تكن صافية من غشاوة العلوم التقليدية المكتسبة من الأقوال وعن الأفكار النظرية الحاصلة باستعمال النطق بآلتي الوهم والخيال للعقل الفكري، لم يكن صاحب بصيرة في الإلهيات، بل في جميع العلوم، ولم يكن قابلاً للفتح الإلهي، وبعيد من أن يحصل له شيء من العلم اللدني الحاصل لنفوس الأميين، وهم الذين كتب نفوسهم وألواح قلوبهم خالية عن نقوش هذه الأقاويل المتعارفة بين أهل الكتاب.. والمقلد وصاحب الأدلة الفكرية لا يكونان على بصيرة أبداً»12.

هذا من جهة، لكنه من جهة أخرى رأى بأن الكشف لا يستغني عن معرفة مقدمات القضايا، بل ورأى أنه يندر أن تكون هناك نفس قدسية لم يمسّها التعليم البشري13، فهو لا يسلّم بصحة الكشف ما لم يمر بمرحلة التعليم الكسبي إعتماداً على العقل وآلاته من الحواس. لذلك ذمّ طائفة من الصوفية لأنها لم تلتزم بهذا النوع من التعلم، ووضع فصلاً عنوانه (في أن من شرع في المجاهدة والرياضة، قبل إكمال المعرفة وأحكامها بالعبادات الشرعية فهو ضال مضل)، وقال فيه: «إن الذين نصبوا أنفسهم في هذا الزمان في مقام الإرشاد والخلافة جلّهم بل كلّهم حمقى جاهلون بأساليب المعرفة والرشاد واستكمال النفس واستقامتها في السداد، وأكثرهم ذهبوا إلى منع الصور الإدراكية، وسد أبواب المعارف والعلوم التي هي الأمثلة للأعيان الخارجية، زعماً منهم أن هذا العمل من الطالب هو الذي يبعّده للتوجه نحو المبدأ الفياض. ولم يعلموا أيضاً أن عزل المدارك والقوى العقلية والوهمية والخيالية عن أفاعيلها وآثارها بالكلية محال. ولم يتفطنوا بأن عزلها عن تحصيل ما لها من الكمالات يوجب ركونها إلى صور مشوشة يخترعها الخيال، وذلك هو الظلم... وهم مع هذا يسمون ذلك معاينة ومكاشفة»14.

أما موقف أبي حامد الأصفهاني التركة من العقل في علاقته بالكشف، فهو أنه يعترف بوجود تناقض واضح بين المكاشفات التي يبديها العرفاء، وحاول أن يعالج ذلك عن طريق الفكر النظري، فجعل منه سلاحاً صادقاً وصالحاً لتمييز الكشف الصحيح عن الفاسد. فهو لا يسلّم بالزعم القائل بأن العقل لا يدرك كل ما يدركه الكشف الذي يفوقه رتبة، إنما يستثني من ذلك أشياء خفية لا يصل إليها العقل، أما ما عداها فهي بمتناول العقل الذي حدّه بأنه «كل ما يدرك معنى كلياً أو حقيقة كلية يصدق عليه حد العقل واسمه». لذلك كان يوصي أصحاب الذوق بتحصيل العلوم الحقيقية من الفكر النظري بعد عملية التهذيب والرياضة الروحية، إذ تكفي عنده لمعرفة الكثير من الحقائق المختلفة. وفي حالة التحيّر في بعض المسائل أوصى بضرورة ممارسة الطريقة الأخرى المعتمدة على الذوق والمشاهدة الكشفية، رغم أنها لا تصلح - عنده - إلا بعد سبق عملية الاستفادة من ملكة تلك العلوم الحاصلة عن طريق العقل أو الفكر النظري.

وقد علّق الشيخ صائن الدين التركة على نص شيخه الأصفهاني بقوله: «هذا إشارة إلى دفع الشبهة القائلة بأن المعارف الكشفية التي يسمونها بالكمال من الأمور الممتنعة التي لا يمكن أن يدركها العقل كما سبق بيانه، وتقريره إنّا لا نسلم أن العقل لا يدرك تلك المكاشفات والمدركات التي في الطور الأعلى الذي هو فوق العقل أصلاً. نعم أن من الأشياء الخفية ما لا يصل إليه العقل بذاته، بل إنما يصل إليه ويدركه باستعمال قوة أخرى هي أشرف منه، واستبانة نور أضواء هو أتم منه، مقتبس من مشكاة الزجاجة الإنسانية التي فيها المصباح، لكن بعد الوصول يدركه العقل مثل سائر مدركاته، كما في المدركات الجزئية، فإنه في استحصالها يحتاج إلى قوة أخرى، لكنها أعزل وأخس منه، وبعد الوصول يدركها مثل سائر مدركاته على العراء»15.

ونشير أخيراً إلى أن السبب في إقحام الإشراقيين للعقل في تصحيح الكشف وتقديمه عليه، هو لتجنب السقوط في نظام اللاسببية، سواء بمقالة وحدة الوجود الشخصية، أو مقالة الإتحاد والحلول، أو غيرها من المقالات المشتق بعضها من البعض الآخر..

 

1اللمعللسراجالطوسي،ص40.

2الحقيقةفينظرالغزالي،ص66.

3المصدرالسابق،ص67.

4ميزان العمل، ص221ـ222. وإحياءعلومالدين،ج3،ص17.كذلك: الحقيقة في نظر الغزالي، ص125.

5الرسالةاللدنية،ضمنرسائلالقصورالعوالي،ج1،ص118 ومابعدها.

6المقصدالأسنى،ص115ـ116.

7يقولإبنرشدفيحقالغزالي: «والظاهرمنالكتبالمنسوبةإليهأنهراجعفيالعلومالإلهيةإلىمذهبالفلاسفةومنأبينهافيذلكوأصحهاثبوتاًلهكتابهالمسمىبمشكاةالأنوار» (تهافتالتهافت،ص117).

8هنريكوربان: تاريخالفلسفةالإسلامية،ترجمةنصيرمروّةوحسنقبيسي،راجعهوقدملهموسىالصدروعارفتامر،منشوراتعويداتببيروت،الطبعةالأولى،1966م،ج1،ص322.

9مفاتيحالغيب،ص473ـ485 و75ـ76. وايقاظالنائمين،ص40 و72.

10الأنبياء/98.

11ايقاظالنائمين،ص41.

12مفاتيحالغيب،ص46ـ47.

13كسرأصنامالجاهلية،ص15.

14كسرأصنامالجاهلية،ص23ـ24.

15أبوحامدالأصفهانيالتركة: تمهيدالقواعد،مقدمةوتصحيحسيدجلالالدينأشتياني،الطبعةالثانية،طهران،ص248ـ249 و270.

comments powered by Disqus