-
ع
+

الإمام الخميني وتجديد الإجتهاد

يحيى محمد

شهد الفقه الشيعي بعد الثورة الإسلامية في ايران تحولاً جديداً جعله يختلف عما كان عليه من قبل. فلأول مرة في تاريخ هذا الفقه يصرح عالم لامع بضرورة أخذ اعتبار المصلحة وشروط الزمان والمكان في تشريع الأحكام، معتبراً إجتهادات القدماء إنما جاءت طبقاً لشروط ظروفهم من الزمان والمكان. فهذا ما صرح به الإمام الخميني مشيراً إلى أنه لا يبغي من ذلك ايجاد فقه جديد يختلف عن الفقه التقليدي مثلما هو الحال لدى النجفي صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة (جواهر الكلام). لكن واقع الحال أنه تجاوز طريقة النجفي وغيره ممن رسموا الصورة التقليدية للفقه، خصوصاً وأنه اعتبر الحكم الفقهي قد يكون له موضوع هو غير الظاهر من المسألة، وأنه أدخل في الحساب الشروط الزمانية والمكانية في التشريع الإجتهادي، كما أنه أجاز التعارض بين المصلحة في نظام الدولة الإسلامية والأحكام الجزئية ورجح الأولى على الثانية عند التعارض، فكل ذلك يعد تجاوزاً لما كان، وهو بداية الثورة على الفهم التقليدي.

وتبرير ما حدث مستمد من التحولات التي مرت بها الأحكام والفتاوى عبر التاريخ دون ان يغطيها شيء من التنظير والتبرير. فقد تهيء للخميني أن يضع النقاط على الحروف، إذ كان كل من يَقْدِم على رأي جديد يتجاوز اعتبارات السلف يواجه حشداً من الاعتراضات، وبعد عملية الجدل والصراع بين الرفض والقبول ينتهي الأمر - عادة - لصالح الاخير تبعاً للحاجة الزمنية. فالكثير من القضايا المستجدة التي لها مساس بالحياة الاجتماعية الحديثة واجهت في البدء رفضاً قوياً، ثم تحول الأمر شيئاً فشيئاً إلى قبولها وامتثالها، واصبحت تقبع كجزء من النظام المعرفي المسلم به، وذلك بعد اضفاء التبرير الشرعي عليها بفعل ضغط الواقع. هذا ما حصل مع التلفزة والموسيقى والتصوير والنحت والفنون وبعض أنواع الغناء وغيرها، يضاف إلى القضايا والاشكاليات الثقافية التي زرعها المثقفون الدينيون والعلمانيون على السواء، مثل قضايا حقوق الإنسان والمرأة وحرية الرأي والديمقراطية والدستور والمواطنة والمساواة وغيرها من القضايا والاشكاليات[1].

فقد واجه الفقه السني مثل هذه الأمور وذلك بفعل احتكاكه بالواقع والانفتاح على حاجات الدولة وما واجهته من مستجدات غربية فرضت نفسها على العالم ككل. أما الفقه الشيعي فقد مر بعزلة شديدة بفعل موقفه السلبي من الدولة وسلطتها السياسية، لكنه لا يختلف عن نظيره السني في موقفه الرافض للجديد من الافكار والمواقف الفقهية. وقد خطا الخميني خطوة جريئة لإنهاء لعبة الجدل بين الرفض والقبول لكل مستحدث جديد. ويعد هذا المسلك فريداً بمقاييس الإجتهاد الشيعي، حيث التعويل على اعتبارات الزمان والمكان وطرح ما يقابلها من اعتبارات السلف وإجتهاداتهم، كذلك ترجيح المصلحة على حكم النص. فهو يعول على منهجين كلاهما يعودان إلى فاعلية الواقع ويرجحهما على كل من اعتبارات السلف والنص. ففي مطالبته لأخذ اعتبارات الزمان والمكان في تأسيس الأحكام؛ تجاوز ما عليه طريقة السلف في فهمهم لقضايا الإجتهاد والاستنباط. أما ترجيحه للمصلحة العامة على النص عند التعارض؛ فقد تجاوز فيه الاطلاق الذي يبديه النص وما اتفق عليه العلماء من حجية.

مع هذا فإن بعض الفقهاء الجدد لا يعتبر ما جاء به السيد الخميني في مورد تأثير الزمان والمكان على الأحكام جديداً، معتبراً ان هذا المبدأ قد عمل به الفقهاء ضمن حدود، لكن ما فعله الخميني هو توسيع دائرة هذا المطلب مما كان يطبق في بعض المجالات إلى نطاق يشمل مختلف الابواب الفقهية. والشاهد المذكور بهذا الصدد يعبّر عن قضية جزئية تتعلق بالغصب كما اوردها الفقهاء، ومفاده أنه لو غصب شخص ثلجاً في الصيف وأراد ان يعيده إلى صاحبه في الشتاء، فإن الحكم في ذلك هو عدم الصحة، بل لا بد ان يعطي المالك قيمة ما تم غصبه وليس المادة المغصوبة حيث تفقد قيمتها في الشتاء. وكذا لو ان الشخص غصب ماءً في الصحراء، ثم أراد ان يعيده إلى صاحبه وهو بقرب نهر، فإن هذا التعويض لا يصح، بل لا بد من تغريمه قيمة ما غصبه وهو في الصحراء[2].

وواضح ان الشاهد جزئي وقد لا يتعدى حدود الغصب، بدلالة أنه في حالة القرض تختلف النتيجة تماماً، إذ لا تجد الفقهاء يأخذون اعتبارات الظرف من المكان والزمان بالاعتبار. أي اننا لو استبدلنا الغصب بالقرض في المثالين الانفي الذكر لكانت النتيجة عكسية، وهي جواز رد مثل الشيء أو عينه دون قيمته. فكل ما هنالك ان الفقهاء في حالة الغصب اعتبروا سبب الضمان هو للأضرار الذي الحقه الغاصب بالمالك، والحيلولة دون الانتفاع بملكه.

ويظل ان المبدأ العام الذي يتحكم بطريقة الفقهاء التقليديين هو بطلان الإجتهاد عند وجود النص، الا ما كان له علاقة بفهمه بحسب الصور اللفظية، لكنهم تسامحوا - ضمن حدود - عند عدمه، وهو الأمر الذي يفسر لماذا كان الفقهاء يقبلون الرد بالمثل في حالات القرض ولم يقبلوا ذلك في حالات الغصب. وبعبارة أخرى، ان الفقهاء سلكوا هذا السلوك المزدوج بسبب ورود نصوص (المثلية) حول القرض دون الغصب.

في حين ان ما جاء به الخميني هو غير تلك الصورة، حيث أنه تقبل الإجتهاد حتى مع وجود النص، الأمر الذي يرفضه فقهاء الطريقة التقليدية؛ معتبرين هكذا إجتهاداً هو في قبال النص، وانهم على ذلك عدوا الأحكام مؤبدة غير قابلة للتغيير، وهو ما يفسر عدم اهتمامهم بمبدأ تأثير الزمان والمكان على الأحكام، خصوصاً وأنه متداول لدى فقهاء السنة منذ زمن بعيد. فمع ذلك لا توجد اشارة توحي بقبول هذا المبدأ ولو بحدود الفتاوى الإجتهادية غير المنصوص فيها كالذي يعمل به فقهاء السنة، فكيف الحال مع الأحكام التي تعود إلى النص ذاته؟!

وقد يوحي ما ذكره المقدس الأردبيلي (المتوفى سنة 993هـ) أنه استثناء يقترب معناه من المعنى الذي آل اليه الإتجاه السني، وهو قوله: (.. واحتط مهما أمكن، فإن الأمر صعب، ولا يمكن القول بكلية شيء، بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والازمان والأمكنة والاشخاص، وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء شكر الله سعيهم ورفع درجاتهم)[3]. لكن على ما يبدو أن ما قصده الأردبيلي من الأحكام في كلامه المجمل السابق هي الأحكام المنصوصة، بمعنى أن الشرع في أحكامه قد راعى هذه النواحي من خصوصيات الأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص، فجاءت الأحكام مختلفة تبعاً لذلك، وهو بهذا المعنى لا يدعو إلى العمل بأحكام جديدة غير منصوصة، سيما وأن هذا الكلام قد أورده صاحبه بمناسبة اختلاف حالات الصلاة في السفر والإقامة والجهل لبعض المواضع والإشتباه فيها، وكلها مما لها علاقة بما هو منصوص، ولا علاقة لذلك بالمصالح والمضار عادة.

هكذا تعد طريقة الإمام الخميني جديدة بما تتضمنه من القاعدة الكلية التي تطبق على مختلف أنواع الأحكام.

ومن الفقهاء المعاصرين من ادلى بنماذج مفيدة تختلف عما هو متداول لدى الطريقة التقليدية، وذلك أنه أخذ باعتبار المصالح والمقاصد، وطبّق مبدأ تأثير الزمان والمكان على الأحكام، كما هو الحال مع الشيخ مرتضى مطهري. ومن الشواهد التي اوردها بهذا الخصوص رأيه حول الرهان في السبق، وحول بيع وشراء النجاسات؛ مثل دم وغائط الإنسان، إذ رأى ان المنع في بيعهما وشراءهما جاء لعدم وجود استعمال مفيد يجعلهما ذا قيمة وجزءاً من ثروة الإنسان، وذلك استناداً إلى مبدأ قوله تعالى: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)) البقرة/188. فالمنع على هذا ليس له اصالة، إنما تتحدد الاصالة بالتبادل القائم بين شيئين نافعين للانسان. فبقدر ما ان هذا الأمر ثابت باعتباره ينبع من حاجة اجتماعية ثابتة؛ بقدر ما أمكن فهم صور التغير في أحكام النجاسات وغيرها، طبقاً لذلك المبدأ. أي ان نفي المالية والتبادل عن تلك النجاسات هو أمر مرهون بالعصر والزمان، فحيث ان الظروف تغيرت وأنه امكن الاستفادة من هذه الأشياء فإن الحكم ينقلب إلى الحلية[4].

ويلاحظ ونحن بهذا الصدد ان الشيخ الانصاري طرح قضية تتعلق بمسألة الاستفادة من النجاسات رغم وجود النصوص التي تنهى عن بيعها واكلها أو شربها، فقد يلاحظ ان ما طرحه السيد الخميني وتلميذه مطهري لا يختلف عن طرح الانصاري. لكن حقيقة الأمر هو ان مورد الاختلاف بينهما يتعلق بمسألة النص. فقد استند الأنصاري في طرحه على حلية الاستفادة من النجاسات إلى النصوص، وليس لحاظ المصلحة الواقعية أو العقلية ومن ثم ترجيحها على النصوص الناهية أو تقييدها ضمن بعض القيود، فهو لم يعول على استكشاف مقصد الحكم، وكما قال: (إذا قام الدليل الخاص على جواز الانتفاع منفعة مقصودة بشيء من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه، لأن ما دل على المنع عن بيع النجس من النص والإجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع، فإن رواية تحف العقول المتقدمة قد علل فيها المنع عن بيع شيء من وجوه النجس بكونه منهياً عن أكله وشربه..)[5]. الأمر الذي يختلف مع ما آل اليه جملة من المعاصرين الشيعة، ابرزهم الخميني باعتباره صاحب طريقة لم يسبقه فيها من الفقهاء الاعلام غير الطوفي.

هكذا فبحسب الطريقة الجديدة للخميني أصبح الإجتهاد مستنداً إلى مبدأ الواقع خارج نطاق النص، ومن ذلك أنه جدد بعض الفتاوى والأحكام بخلاف ما هو السائد وسط الفقهاء، مثل رأيه حول موارد الزكاة والرهان في السبق والانفال والشطرنج والالات الموسيقية، خصوصاً وان بعض هذه القضايا عُدّت من المحرمات في ذاتها كما اشار إلى ذلك المحقق الحلي، وسبقه في تأكيد حرمتها شيخ الطائفة الطوسي[6]. لذلك أثارت هذه الطريقة حفيظة التيار التقليدي من الفقهاء، فاستشكل عليه عديدون، بعضهم من تلامذته مثل الشيخ محمد حسن القديري، مما جعل الخميني يذكّره في رسالة خطية بما مضمونه: أنه بغير الفهم الجديد لمثل تلك القضايا فإن الفقه الإسلامي سوف ينفصل عن الحياة ولا يصلح تطبيقه بأكثر من حياة الكهوف والصحارى المعزولة.

أما الآثار التي أحدثها الإمام الخميني على القضايا التي واجهتها الجمهورية الإسلامية فهي كثيرة، منها ان هذه الدولة سمحت بتعطيل حكم الجزية الوارد ذكره في القرآن الكريم، حيث لم يرد في الدستور الايراني شيء حول الجزية وقوانين الذمة، بل صرح الدستور بانه على الحكومة وعلى المسلمين أن يعاملوا الاشخاص غير المسلمين بالاخلاق الحسنة والقسط والعدل الإسلامي، وأن يراعوا حقوقهم الإنسانية[7].

كما الزمت الدولة التسجيل الرسمي للزواج، وذلك في قانون (1310) كي تحول دون سوء الافادة، وحددت عقوبة للمتخلف عن ذلك. والذي حصل ابتداءاً ما حَكَم به مجلس حماية الدستور من ان هذا القانون هو خلاف الشرع. لكن بعد ذلك أصبح القانون ساري المفعول، ووفرت له ضمانة تنفيذية. وكذا هو الحال مع القانون الخاص بالغرامة التي يحددها البنك على المقترض فيما لو أخّر تأديته للقرض، حيث لم يقر بها مجلس حماية الدستور وعدّها رباً، وكان البنك المركزي كثيراً ما يستلم رسائل اعتراضية على ما يقوم به. لكن عندما طرحت القضية على مجلس تشخيص المصلحة فإنه أقرّ تلك الغرامة. ومثل ذلك ما حدث مع قضية حق الكسب والحرفة، فلو ان مؤجراً أجّر محلاً لمستأجر ثم أخرجه بعد مدة، فعليه أن يدفع له تعويضاً يُطلق عليه حق الكسب والحرفة، وهو ما يسمى بـ (السرقفليه). وقد كان فقهاء حماية الدستور يعدون العمل بها حراماً طبقاً للفتاوى السائدة، معتبرين المادة المرقمة (190) والتي تعترف بذلك الحق بأنها مادة مخالفة للشرع. لكن حين طُرحت القضية على مجلس تشخيص المصلحة فإنه أقرها[8].

وبخصوص القضاء لم تجد الدولة الإسلامية مجالاً للأخذ بفكرة شرط الإجتهاد في القاضي، وهو الرأي الذي ذهب اليه جمهور الفقهاء. كما أنها اضطرت - كما فعل مجلس تشخيص المصلحة - إلى اقرار مسألة الاستئناف وتجديد النظر للأحكام القضائية بعد أن وجدت امامها الكثير من المشاكل القضائية العالقة، وهو أمر خلاف المسلّم به سابقاً والذي يعتبر حكم القاضي حكماً قاطعاً لا يصح اسئنافه الا في موارد محدودة جداً[9] . كذلك أنها لم تجد بداً من ان توحّد القضاء لتتخلص من مشاكل اختلاف الرؤية المسلّم به سابقاً، اعتماداً على قوة القانون في حسم القضايا وتحديد العقوبات اللازمة تحديداً مسبقاً أو موحداً. وسبق لمثل هذه الظاهرة ان أُثيرت خلال القرون الأولى من التاريخ الإسلامي، فقد شكى الكاتب عبد الله بن المقفع إلى الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور ما أفضت به الأحكام القضائية من فوضى وفساد بسبب تضاربها، فاقترح عليه توحيد الأحكام وإلزامه على الناس وافشائه[10].

بل هناك دعوة لصياغة الأحكام بالتقنين دون الإعتماد على فتاوى المراجع، لإختلاف فتاواهم ، وبإختلافها تفضي أمور الدولة إلى الفوضى، سيما في المسائل السياسية والقضائية. وقد وجّه البعض ما جاء في الحديث (الراد عليهم - الأئمة - كالراد على الله وهو في حد الشرك) بأنه مقيد بزمان النص، إذ كانت الحكومة بيد السلاطين الظالمة، لذلك دعا الأئمة الناس إلى اتباع الفقهاء ورواة الحديث ومن ثم المجتهدين فيما بعد[11].

على ان الانطلاقة التي فجرها السيد الخميني جعلت الفقهاء الجدد ينفتحون على أبواب ما كان لهم أن يجرأوا على طرقها لولا تلك الإثارة مع وجود الحاجة وضغط الواقع. وأصبح الحديث عن المقاصد الخاصة غير المنصوص فيها وارداً، وقد كانت محظورة لدى الفهم التقليدي الذي اكتفى بقاعدة كشف الملاك من النص دون غيره. واخذ الفقهاء الجدد يتحدثون عن قضايا مثل اباحة التشريح وبيع الدم وشرائه... الخ، بعد أن كانت هذه المسائل من المحرمات، وبعضها ورد النص في حرمته صراحة كبيع الدم. كما أخذ البحث يدور في اطار الزكاة لايجاد مخرج عما حدده النص من ضيق في الموارد. كذلك أعاد البعض النظر في حكم العاقلة التي ورد حولها عدد من النصوص، وهي تعني دفع الدية للقتل الخطأ، حيث جاء أن دية القتل الخطأ على عصبة القاتل أو قرابته من أبيه، وهو يوافق ما كان عليه الوضع في زمن النبي، بحكم سيادة النظام القبلي آنذاك، إذ من المعقول أن يكون هناك ضمان اجتماعي مشترك وسط الجماعة أو القبيلة لحل المشاكل التي تعترضهم. أما اليوم فحيث السائد ليس هو النظام القبلي، بل القوانين المدنية العامة، لذا اعتبر البجنوردي من الفقهاء الجدد ان موضوع العاقلة أصبح غير قابل للطرح، سيما وقد يكون المرء لم يرَ قريبه القاتل مرة في حياته؛ فكيف يجزّى ويضمن من أمواله مع أنه لم تعد بينه وبين القاتل صلة تذكر[12] ؟! وهو اقصاء لقضية العاقلة مع ما لها من مقاصد. نعم ان ما ذكر من تحول النظام القبلي إلى غيره يدعو إلى تغيير الحكم الخاص بالنظام القبلي، لكن ذلك لا يلغي اعتبار مبدأ العاقلة من الاساس، فلكونه مبدأً تضامنياً يكفل مصلحة الجماعة فإن من الممكن توظيفه ليس في نطاق العشيرة أو القبيلة التي ذهب ريحها أو فقدت قدرتها على التضامن، وانما في نطاق الوظيفة التي يندرج الشخص في العمل تحتها، فتكون الجماعة التي ترتبط بوظيفة معينة ملزمة بدفع بعض الضرائب لمثل هذه الطوارئ، وهي حالة سبق ان جرى العمل بها - حسب ما روي - في عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

كما عمد بعض آخر إلى معالجة حكم الأضحية انطلاقاً من المقصد، معتبراً ان وجوبها متوقف على شرط ان تؤكل، وهو قوله تعالى: ((فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر)) الحج/36، فحيث أنه اليوم يجرى ذبح الأضاحي دون ان تؤكل، فلا بد ان يتبدل الحكم تبعاً لذلك[13].

كذلك حاول البعض ان يتنصّل من الإشكالات العالقة بالتعامل مع البنوك؛ معولاً في ذلك على وجود علاقات مستحدثة لا يصح اقحامها ضمن اعتبارات الربا الوارد ذكرها في النص. ذلك ان الممارسة البنكية هي ممارسة استثمارية تتحول فيها الأموال السائبة إلى عمل، وبها تدور عجلة اقتصاد العالم، فهي بالتالي ضرورة حياتية تتوقف عليها كافة انظمة الحياة الاجتماعية، كذلك أنه لا وجود للشخص في هذه الممارسة، بل أنها منّا والينا، مما يجعلها مختلفة عن الممارسة الربوية التي حرمها الشرع الإسلامي[14].

وكذا دعا بعض آخر إلى اتخاذ موقف رافض للجمود العالق بعدد من فتاوى الطريقة التقليدية، وهي الفتاوى التي أصبحت لا تتناسب مع ما عليه الواقع، ومن ذلك: حصر حكم الاحتكار في الغلات الأربع، وجواز التصرف في الانفال التي أُحلت للشيعة حتى في الموارد التي يتمكن البعض فيها من تدمير آلاف الهكتارات من الغابات، وجواز التملك اللامحدود للأراضي الموات لمن له القدرة على احيائها، ومنع تحديد النسل، ومنع هدم المساجد والموقوفات في حالة ترتب أضرار اجتماعية عليها، وحصر مشروعية الرهان في السبق والرماية بالخيل والقوس والسهم، ولزوم تعطيل الحدود والقصاص في الغيبة الكبرى، وانحصار ثبوت خيار المجلس في المعاملات التي يكون البائع والمشتري حاضرين في مجلس المعاملة فقط، وخروج المعاملات التي تتم عبر الهاتف - مثلاً - من دائرة هذا الحكم، وتحليل الربا عن طريق تغيير كيفية المعاملة الربوية، وعدم مشروعية التعزيرات الا بالجلد، وضرورة استعمال السيف في اجراء الحدود، ولزوم دفع الدية بشكل مائة بعير أو مائتي بقرة أو حلة يمانية لأولياء المقتول عمداً من دون اكتفاء بالنقد أو ما له قيمة مالية [15].

هكذا تجري اليوم في ايران حركة جديدة من الذوق الفقهي لم تكن مألوفة من قبل، رغم أنها ما زالت تفتقر إلى التنظير العلمي المطلوب. وقد نشأت بفعل تطورات الواقع وما أفرزه من حاجات جديدة. الأمر الذي جعل بعض الفقهاء الجدد يشكك في صحة ما كانت عليه الطريقة التقليدية للفهم الفقهي، حيث ظهر عجزها وعدم قدرتها على مواكبة الحياة وحل المشاكل الحديثة، كالذي أفاده الشيخ أحمد جنتي.

 



[1] انظر بهذا الصدد القسم الأول من كتابنا: القطيعة بين المثقف والفقيه، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 2005م.

[2] حوار مع ناصر مكارم الشيرازي، قضايا اسلامية، عدد4، ص22 و24.

[3] المقدس الأردبيلي: مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الأذهان، مصدر سابق، ج3، ص436.

[4] مرتضى مطهري: نظام حقوق المرأة، مؤسسة الاعلام الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1405هـ ـ1985م، ص93ـ94.

[5] مرتضى الانصاري: المكاسب، موقع الكاظم:  www.alkadhum.org، ج1، ص33ـ34.

[6] قال الطوسي بهذا الصدد: (ومنها عمل جميع أنواع الملاهي والتجارة فيها والتكسب بها، مثل العيدان والطنابير وغيرهما من أنواع الأباطيل، محرم محظور. وعمل الأصنام والصلبان والتماثيل المجسمة والصور والشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار حتى لعب الصبيان بالجَوْز، فالتجارة فيها والتصرف والتكسب بها حرام محظور). وكذا (كسب المغنيات وتعلم الغناء حرام. وكسبُ النوائح بالأباطيل حرام. ولا بأس بذلك على أهل الدين بالحق من الكلام). ثم أنه قرر ان تلك الآلات لا يجوز تملكها (ابو جعفر الطوسي: النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، تقديم اغا بزرك طهراني، انتشارات قدس محمدي، قم، ص362 و365 و782).

[7] دستور الجمهورية الإسلامية في ايران، ترجمة اذري، اصدار وزارة الارشاد الإسلامي، طهران، الطبعة الاولى، 1406هـ، المادة الرابعة عشرة، ص21.

[8] حوار مع الدكتور حسين مهربور، قضايا اسلامية، عدد4، ص59 و61.

[9] حوار مع مهربور، المصدر السابق، ص59ـ60. وحوار مع الشيخ عميد زنجاني، المصدر نفسه، ص78.

[10] عبد الله بن المقفع: رسالة في الصحابة، ضمن آثار ابن المقفع، مقدمة واشراف عمر ابو النصر، دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الاولى، 1996م، ص353ـ354. والإجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، الفصل السادس.

[11] حوار مع السيد حسن المرعشي، قضايا اسلامية، عدد4، ص68ـ69.

[12] حوار مع السيد محمد الموسوي البجنوردي، المصدر السابق، ص52ـ53.

[13] حوار مع ناصر مكارم الشيرازي، المصدر السابق، ص26.

[14] حوار مع الشيخ محمد هادي معرفة، المصدر السابق، ص38ـ39.

[15] محمد ابراهيم الجناتي: السمات المطلوبة للمجتهد في الحكومة الإسلامية، مجلة الفكر الإسلامي، العدد6، ص52ـ54.

comments powered by Disqus