-
ع
+

الأدلة النقلية والعقلية على طريقة النظر في الفقه

يحيى محمد

سبق لنا في دراسة مستقلة أن تعرضنا إلى الاختلاف الواسع في مواقف الفقهاء ازاء تكليف العامي وعمله. فبعضهم طالبه بالإجتهاد، وآخر بالتقليد، وثالث بالرجوع إلى خصوص الأعلم وكذا الحي، ورابع أباح له التخيير بين الفتاوى، وخامس أجاز له الترجيح بين الآراء عند التمييز بينها. وكذا ان البعض طالبه بالأخذ بأشد الفتاوى وأغلظها؛ كإن يأخذ بالحظر دون الاباحة، لاعتبارات تعود إلى الاحتياط وكون الحق ثقيلاً والباطل خفيفاً. وفي القبال هناك من سمح للعامي ان يأخذ بأخف الفتاوى لقوله تعالى: ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))، وقوله: ((ما جعل عليكم في الدين من حرج))، ولأن النبي (ص) قال: «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة»، وقال: «ان الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». كذلك هناك من طالب العامي بمزيد من التحري في أقوال الفقهاء ليجد التعاضد بينها، على شاكلة تعدد الأدلة والرواة لزيادة غلبة الظن[1].

وسبق أن ثبت لنا جواز ان يأخذ العامي بفتوى المجتهد وإن لم يكن حياً ولا أكثر علماً بين المجتهدين، وبالتالي فمن الأولى أن يعول على الدليل الأرجح في الفتوى؛ إذا ما كانت له القدرة على النظر وفحص الأدلة المطروحة، ذلك لأن الأصل هو جواز الأخذ بفتوى المجتهد المفضول، فكيف إذا ما كانت هذه الفتوى – بنظر العامي - تستند إلى أرجح الأدلة؟!

مع ذلك يلاحظ أن هذا الدليل وإن كان يجيز العمل بالنظر والأخذ بالدليل الراجح؛ لكنه لا يدل على الوجوب. يضاف إلى توقف هذا الدليل على ثبوت عدم وجوب كل من الأعلمية والحياة في التقليد. وعليه كان لا بد من طرح أدلة أخرى تثبت وجوب النظر حتى مع فرض التسليم بذينك الشرطين.. فهذه حالة وتلك حالة أخرى. وعلى العموم يمكن تقسيم الأدلة على طريقة النظر كالآتي:

 1 ـ الدليل الشرعي

بداية لا يمكننا الادعاء بأن الكتاب والسنة يحملان تشريعاً محدداً حول التعامل مع الآراء الإجتهادية للفقهاء. فالإجتهاد الفقهي قائم على إستنباط الأحكام من النص بما يفضي إلى الظن عادة. وهو بهذا المعنى لم يثبت في الكتاب أو السنة ولا التلويح إليه، وبالتالي فليس هناك تشريع يخص النظر. لكن ثمة بعض الدلالات الشرعية العامة التي يمكن أن تساعد على إثبات المطلوب؛ أهمها قوله تعالى في محكم كتابه: ((وبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أُولو الألباب))[2]. فهذه الآية وإن كانت ليست بصدد الإخبار عن التعامل مع الآراء الإجتهادية، لكن العموم والإطلاق فيها يمكن أن ينطبقا على ما نحن فيه من التعامل مع الآراء. فالناظر يتعامل مع الآراء الفقهية كأقوال مختلفة، والواجب عليه أن يعوّل على ما يراه أنه أحسنها وأقربها للحق، ليصبح بذلك أحد تطبيقات الآية الشريفة.

وهناك اشارات عديدة للعلماء حول الآية تؤكد جانب الدعوة إلى الأخذ بأرجح الآراء وأولاها بالقبول مع نبذ التقليد. ومن ذلك ما جاء في (مجمع البيان) للطبرسي من ان الآية تشير إلى ما هو أولى بالقبول وأرشده إلى الحق والعمل به[3].

ونقل الطبري عن السدي في تفسير الآية بأنها معنية بالاشارة إلى من «وفقهم الله للرشاد واصابة الصواب، لا الذين يعرضون عن سماع الحق ويعبدون ما لا يضر ولا ينفع... واولوا الالباب يعني اولوا العقول والحجى..»[4]. وكذا ما مرّ علينا من قول مالك: ليس كل ما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يُتبع عليه، لقوله عز وجل: ((الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)). واعتبر ابن حزم أن الآية تشير إلى مدح مَن لم يقلد[5].

وذكر الزمخشري بأن مما تنطبق عليه الآية التحقيق بين المذاهب «واختبار أثبتها على السبك واقواها عند السبر وأبينها دليلاً أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل: ولا تكن مثل عير قيد فانقادا. يريد المقلد..»[6].

كما اعتبر الآلوسي ان لهذه الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض، لذا قيل في الشعر:

شمّر وكن في أُمور الدين مجتهداً    ولا تكن مثل عير قيد فانقادا[7].

كذلك صرح الطباطبائي حول معنى الآية بقوله: «فتوصيفهم بإتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة الرشد وإصابة الواقع. فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي؛ إتبعوا الحق والرشد وتركوا الباطل والغي، وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد وما هو أكثر رشداً؛ أخذوا بالأحق والأرشد. فالحق والرشد هو مطلوبهم، ولذلك يستمعون القول ولا يردّون قولاً بمجرد ما قرع سمعهم إتباعاً لهوى أنفسهم من غير أن يتدبروا فيه ويفقهوه». كما قال في تفسير ((وأُولئك هم أولو الألباب)): «أي ذوو العقول، ويستفاد منه أن العقل هو الذي به الإهتداء إلى الحق وآيته صفة إتباع الحق»[8].

ويؤيد المعنى السابق ما ورد في الحديث عن الإمام علي، حيث قال: «إضرب الآراء بعضها ببعض تعرف الحق». وإن بدى على هذا الحديث الدلالة الإجتهادية، إذ ليس المطلوب مجرد ترجيح رأي على رأي آخر كما هو الحال في طريقة النظر، وإنما طلب الحق ولو كان بمخالفة جميع الآراء المنظور إليها، وهو عين الممارسة الإجتهادية التي هي أعمق وأدق من طريقة النظر.

كما جاء في قول الإمام علي: «الناس ثلاث، عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح..». فقد يقال إن فارق المتعلم عن الهمج الرعاع يتحدد بإنقياده إلى ما يراه حقاً بقدر ما تعلّمه، وهذا يقتضي أن يكون ذا قدرة على تمييز ما يعرض عليه من أقوال وآراء بما فيها آراء العلماء، وهو بهذا يختلف عن الهمج الرعاع الذين لا يميزون بين الغث والسمين، ولا بين الخطأ والصحيح.

لكن على ما يبدو ان الحديث لا يفاد منه التوجيه الخاص بطريقة النظر والتمييز بين الآراء الإجتهادية المفضية إلى الظن، إذ يكفي أن يكون المتعلم متبعاً للحق وعارفاً للحقيقة على وجه القطع كما هو ظاهر الحديث، وهو ما يجعله مختلفاً عن الهمج الرعاع.

يظل أن العمدة في هذا الدليل هي الآية المباركة الآنفة الذكر. ودلالتها إما أن تحبب إتباع أحسن الأقوال، أو أنها توجب ذلك، وظاهر الآية ليس بعيداً عن الإحتمال الأخير.

 2 ـ دليل العقل أو الأقربية

وفحوى هذا الدليل هو أن الناظر إنما يعول على دليل دون آخر بعد الفحص، وذلك لعلمه الوجداني بأن الدليل الذي رجحه هو أقرب إلى واقع الحكم الإلهي من غيره، وهذا الظن يقوم مقام العلم عند تعذر الوصول إلى العلم. ويمثل هذا الترجيح قاعدة كثيراً ما أشار اليها العلماء الأصوليون[9]، وأن ما يتضمنه من ظن هو غير منفصل عن القطع الوجداني، فهو قائم عليه، لأن العمل بالترجيح مقطوع به لكونه أقرب إلى واقع الحكم الشرعي. لهذا صرح المحقق القمي - طبقاً لدليل الانسداد - بأن العبرة بقوة الظن، والمعيار هو الرجحان، إذ لو لم يجب العمل بالظن للزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو بديهي البطلان[10].

بل التعويل على الأعلمية قائم - في حد ذاته - على الرجحان في قبال غير الأعلم. كما رجّح أغلب الفقهاء الأعلمية على الأورعية عند التعارض بين من هو أعلم ومن هو أورع، واستدلوا على ذلك بكون قول الأعلم أرجح ظناً من غيره، فيؤخذ بقوله كما يؤخذ بالراجح من الأدلة. أي ان ملاك الحكم هو الرجحان والأقربية لا الأعلمية من حيث ذاتها. لذا لا ينبغي الإلتفات إلى الأعلم باعتبار أعلميته، وإلا لكان حكم الأعلم حجة في حق المجتهد الأقل منه علماً، وهو معلوم البطلان. فالأعلمية شيء والأخذ بالأقربية شيء آخر. ومن المعلوم - منطقياً - أن الأخذ بالأقربية أرجح من الأخذ بالأعلمية، لذلك فإن المجتهد المفضول يعول على ما يراه أقرب إلى واقع الحكم الإلهي ولا يعول مطلقاً على ما يقوله الأعلم، لعلمه بأن الأقربية مقدمة على الأعلمية. فلو تحققت الأقربية بنظر المجتهد لما زاحمتها الأعلمية، باعتبار ان هذه الأخيرة انما يُعوَّل عليها لكونها مقاسة على تقديم الراجح من الأدلة على المرجوح، فكيف إذا ما كان الراجح حاضراً؟!

وهذا الأمر نفسه ينطبق على ما يراه الناظر بالقياس لما يقوله الأعلم، ولا يصح التفكيك بحجة الفارق بين المجتهد والناظر، حيث أن الأول مختص والآخر ليس مثله. فالناظر وإن كان ليس بمختص كالمجتهد؛ لكن له القدرة على التمييز بين ما هو أقرب إلى الصواب وما هو أبعد عنه. ولما كان مميزاً فمن المنطقي أن يتبع ما يراه راجحاً وإن خالف قول الأعلم، وليس في هذا الحكم العقلي من تخصيص ولا تعارضه حجة ناهضة.

على أن ظنون الناظر وترجيحاته موضوعية تستند إلى أساس معتبر من الناحية العقلائية، وهي تختلف عن ظنون المقلد وأوهامه التي لا شأن لها بالأقربية مادامت لا تبتني على النظر في الأدلة ولا مستمدة من الفطرة والظنون النوعية العامة. لهذا لا يمانع الأصوليون من عمل المقلد بالظن على إطلاقه، فهم يفرقون بين ظنه في تعيين الطريق وظنه في الحكم الشرعي، فيجيزون الأول دون الثاني؛ لأن ظنون المقلد في نفس الحكم أُمور غير منضبطة، ولذلك تعد كثيرة المخالفة، بخلاف الظنون في تعيين الطريق؛ مثل تعيينه للمجتهد. وعليه لو أن بإمكان المقلد أن يضبط الأُمور في تعيين واقع الحكم لكان المتعين عليه هو العمل بالظن في نفس هذا الواقع. فالشرط في صحة العمل بالظن كما هو رأي الأنصاري هو أن لا يكون هناك علم إجمالي بكثرة مخالفة واقع الحكم الإلهي، وأن لا يكون هناك مانع شرعي بالخصوص[11].

ويمكن الإشكال على هذا الجواب بالقول: أنّى لنا أن نعرف بأن المقلد الذي يعمل بحسب ظنونه سيقع في المخالفة الكثيرة مع واقع الأحكام الشرعية؟ خاصة إذا كانت ظنونه توافق في النتيجة فتاوى عدد غير منضبط من الفقهاء، إذ في هذه الحالة لا يتجرأ أحد أن يقول بأن آراء هؤلاء يكثر فيها المخالفة لذلك الواقع.

لكن رغم ذلك، فإن من الصحيح أن تكون الظنون غير المنضبطة بضابط موضوعي مرفوضة، إذ تصبح في هذه الحالة قائمة على الوهم والهوى، فلا يعلم - صاحبها - من الناحية الموضوعية أيها أقرب إلى واقع الحكم الشرعي. وهو أمر يختلف تماماً مع الممارسة التي يبديها صاحب النظر؛ من حيث أن ظنونه منضبطة ضمن ضوابط الفحص والتمييز العقلائي، فلا تقع أسر ذلك الإشكال الوارد في حق المقلد.

مهما يكن فمن الواضح أنه لا يفاد من حكم الأقربية الوجوب، فليس بالضرورة أن يكون كل ما هو أقرب إلى واقع الحكم الإلهي - عند الرائي - واجباً. لكن من المؤكد أن الأقربية - عند الرائي - مطلوبة في حد ذاتها ولو من حيث الأولوية.

 3 ـ الدليل المنطقي

تستند طريقة النظر في الأساس إلى قاعدة منطقية، وهي أنه لا يصح العدول عن إتباع الدليل الراجح بإتباع الدليل المرجوح. وكما يقول صاحب المعالم: «إن العقل قاض بأن الظن إذا كان له جهات متعددة متفاوتة بالقوة والضعف؛ فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح»[12]. لذا فمن بين إستدلالات الفقهاء على وجوب تقليد الأعلم هو تشبيه أقوال المفتين بالأدلة؛ إذ كما يجب العمل بالدليل الراجح يجب تقليد الأفضل[13]. فحجية الدليل قائمة - في الأساس - على الترجيح، ومنه قيس عليه العمل بتقليد الأعلم، فكيف إذا ما كان العامي باستطاعته التمييز والترجيح مباشرة؛ فكيف يسوغ له في هذه الحالة العمل على خلاف ترجيحه ونقض أصل القاعدة التي يستند إليها الفقهاء؟! وكيف يأخذ بفتوى وهي لم تقع في نفسه موقع الصحة والحق؟!

لذا فبحسب تلك القاعدة نحكم بعدم جواز رجوع المكلف إلى من يراه مخطئاً في حكمه، أو أن حكمه لا يفيد الإطمئنان بشيء، وهي صورة يمكن أن نجد الموافقة على جزئياتها في كلمات الفقهاء، إذ طبقت أحياناً على المجتهد عند رجوعه إلى مجتهد آخر؛ كعدم جواز رجوع المجتهد الذي يجهل الحكم الشرعي ويعتقد بإنسداد باب العلم والظن المعتبر؛ إلى مجتهد آخر يعتقد بالإنفتاح. فعلى حد قول الشيخ الأنصاري: إن «الجاهل الذي يبذل الجهد وشاهد مستند العالم وغلّطه في إستناده إليه وإعتقاده عنه؛ فلا دليل على حجية فتواه بالنسبة إليه. وليست فتواه من الطرق المقررة لهذا الجاهل؛ فإن من يُخطّئ القائل بحجية خبر الواحد - مثلاً - في فهم دلالة آية النبأ عليها؛ كيف يجوز له متابعته؟ وأيّ مزية له عليه؟ حتى يجب رجوع هذا إليه ولا يجب العكس»[14].

ومثل ذلك ما ذكره الخوئي في حق المجتهد المتجزئ، إذ لا يسوّغ تقليده للمجتهد المطلق. فكما قال: كيف يمكن دعوى جواز رجوع المجتهد المتجزئ إلى من يرى خطأه وإشتباهه، فحسب الأدلة اللفظية تكون أدلة جواز التقليد مختصة بمن لم يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي[15]. ومن الواضح أن هذا ينطبق على صاحب النظر.

بل إن عدداً من العلماء يسلمون بإمكانية إستقلال عقل العامي وإتباع نظره ومن ثم مخالفة غيره من أهل الإجتهاد بمن فيهم الأعلم، كما هو الحال مع الآخوند الخراساني الذي رأى أن العامي يمكن أن يتفق له أن يكون خبيراً في بعض الموارد عالماً بالأدلة وبصيراً في المدرك غير مقلد، وهو لهذا لا يحكم عليه بالتقليد فيما أدى إليه نظره، ومن ذلك أن له أن يرجع إلى المفضول في التقليد ومخالفة الأعلم إن إستقل بعقله ورأى جواز ذلك[16].

كذلك فإن الشيخ الأصفهاني إعتبر أن المقلد قد يتفق له أن يقف على مدارك الخلاف بين العلماء فيترجح في نظره فتوى البعض دون البعض الآخر، فيكون بذلك غير مقلد[17]. كما أقرّ بأن العامي لو علم بطلان ما أفتى به المفتي فإنه لا يقلده في ذلك وعليه مراجعة غيره[18].

كما أن بعض المعاصرين صرح بعدم جواز تقليد العامي لكل ما لا يرى إطمئناناً في حكم المجتهد، كما هو الحال مع الشيخ منتظري، وهو لا يعد ذلك من التقليد، وكما يقول: «في الحقيقة العمل إنما يكون بالوثوق الذي هو علم عادي تسكن به النفس، لا بالتقليد والتعبد. وأما إذا لم يحصل الوثوق في مورد خاص لجهة من الجهات؛ فالعمل به تعبداً مشكل». ويقول أيضاً: «وأما ما قد يُرى من بعض العوام من التعبد المحض بفتوى المجتهد مطلقاً من دون إلتفات إلى أنه يطابق الواقع أم لا، بل وإن إلتفتوا إلى ذلك وشكّوا في مطابقته له؛ فلعله من جهة ما لُقنوا كثيراً بأن تكليف العامي ليس إلا العمل بفتوى المجتهد، وأن ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقه مطلقاً. والظاهر أن هذه الجملة تكون من بقايا إلقاءات المصوبة، وإن ترددت على ألسنتنا أيضاً»[19].

كما اعتبر الشيرازي أن حكم العقل بعدم جواز إتباع المرجع فيما لو علم المقلد خطأه هو من الواضحات. وذلك لأنه لا يقلده إلا لأنه يراد منه إدراك الواقع، فلو علم المقلد عدم ادراكه الواقع وقطع بذلك لما جاز أن يقلده، بل حتى لو لم يكن علمه على سبيل القطع وإنما على سبيل الظن النوعي فحسِب أن مرجعه مخطئ ومخالف للحكم الواقعي، كإن يفتي وهو في حالة إضطراب شديد مثلاً؛ ففي هذه الحالة يحرم على المقلد أن يأخذ بفتواه[20].

وبهذا الدليل تتنقح السيرة العقلائية في قبول ورفض المذاهب الفكرية والعقائدية من قبل النظّار، إذ لا يعقل أن يكونوا مختصين في جميع ما يتعرضون إليه بالبحث والدراسة والنقد. فلو فرضنا انه لا يحق للناظر تأييد أو رفض ما يطّلع عليه من أدلة فقهية بحجة عدم إختصاصه؛ لانبسط هذا الحكم على سائر القضايا، فيصبح من اللازم على الناس أن لا يؤيدوا أو ينقضوا أيّ مذهب أو فكرة يطلعون عليها بحجة عدم الاختصاص، ومنها الأفكار المادية والإلحادية، كما أن منها القضايا العقائدية التي يصعب على العامي أن يحقق فيها بمثل ما يفعل المختص. بل يترتب على ذلك أن من الواجب على الفقهاء أنفسهم أن لا يتعرضوا إلى أي فكرة أو مذهب من مذاهب الفكر والعقيدة ما لم يختصوا فيها، وبالتالي لا يحق لهم نقض الأفكار الغربية والمفاهيم الوافدة نظراً لعدم إختصاصهم في المجالات الفكرية. مع أن الجاري ليس كذلك، مما يدل على صحة مزاولة طريقة النظر. إذ لا يوجد اعتراض على هذا السلوك، حتى من قبل أهل الإختصاص، إذا ما كان القارئ غير مقتنع بما يطرحونه من أفكار ونظريات. وهو في حد ذاته ينقّح صحة ما يمكن أن يلجأ إليه عامة الناس في النظر في قضايا العقيدة المختلف حولها دون حاجة للإجتهاد أو التقليد، وهي قضية سبق أن طرحها العلماء من غير تنقيح في الغالب.

بهذا يتبين ان طريقة النظر هي من المباني العقلية الواضحة، بحيث لا يحتاج الناظر إلى البحث في أدلتها، فهي شبيهة باللجوء إلى مطلق الخبير العالم عند الجهل بالمسألة، حيث تعتبر أيضاً من المرتكزات العقلائية التي لا تحتاج إلى دليل تخصصي.

4 ـ دليل البناء العقلائي

ويكشف هذا الدليل عن أن الناس عندما يكون لهم نوع من التمييز والخبرة المجملة ويراجعون المختصين في جميع الحرف والمهن؛ فانهم لا يولون أهمية لقول الأكثر علماً إذا ما ظنوا أنه على خطأ وغيره على صواب.

وقد طُبق هذا الدليل على عدم جواز تقليد صاحب ملكة الإجتهاد لغيره من المجتهدين، كقول الخوئي: «كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يلزمون صاحب الملكة بالرجوع إلى من يحتمل إنكشاف خطأه إذا راجع الأدلة. بل قد يكون قاطعاً بأنه لو راجع الأدلة لخطأه في كثير من إستدلالاته ومثله لا يكون مشمولاً للسيرة العقلائية»[21].

وهذا مجرد صاحب ملكة وليس بمجتهد على نحو الفعلية. أما والأمر مع صاحب النظر فالحال أشد ثبوتاً طبقاً للدليل الآنف الذكر، فهو يمارس التمييز والفحص، وهو نوع من الإجتهاد الفعلي رغم ضعفه بالقياس مع المجتهد الحقيقي. لذا فمن الأولى أن يقال في حقه: كيف يسوغ دعوى إلزام العقلاء لصاحب النظر بالرجوع إلى من يراه مخطئاً بعد الفحص؟ فهو لا يحتمل الخطأ كما لدى صاحب الملكة الذي لم يمارس عملية الفحص فعلاً، بل هو أقوى من ذلك اعتباراً، لكونه قائماً بالفحص ومتوصلاً إلى رؤية محددة، خلافاً لصاحب الملكة.

وإذا ما غضضنا الطرف عما في الدليل العقلائي من المسحة القياسية؛ فربما يفاد منه الوجوب في الحالة التي يعمل فيها الناظر بحسب إطمئنانه بإتباع من يرى قوله صحيحاً وطرح رأي الغير ولو كان أعلم المختصين.


[1]           صفة الفتوى، ص80ـ81. وانظر ايضاً: تهذيب الفروق،ج2، ص127.

[2]           الزمر/ 18.

[3]           الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الاولى، 1415هـ ـ 1995م، ج8، ص391.

[4]           الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت، 1407هـ ـ1987م، ج23، ص132.

[5]           ولي الله دهلوي: الانصاف في بيان أسباب الاختلاف، طبعة دار النفائس، الطبعة الثانية، 1404هـ، شبكة المشكاة الالكترونية، ص97.

[6]           الزمخشري: الكشاف، دار المعرفة، بيروت، ج3، ص393.

[7]           الآلوسي: روح المعاني، دار الفكر، بيروت، 1408هـ ـ1987م، ج23، ص253.

[8]           الميزان، ج17، ص250 و201.

[9]           فرائد الأصول، ج1، ص185.

[10]          قوانين الأصول، ص443.

[11]          فرائد الأصول، ج1، ص217ـ218.

[12]          معالم الدين، ص346. وفرائد الصول، ج1، ص235 .

[13]          انظر حول ذلك المصادر التالية: المستصفى، ج2، ص391. الإحكام للآمدي، ج4، ص457ـ458. فواتح الرحموت، ج2، ص405. الموافقات، ج4، ص292. الإعتصام، ج3، ص255. جواهر الكلام، ج40، ص43.

[14]          فرائد الأصول، ج1، ص208.

[15]          الإجتهاد والتقليد، ص227ـ228.

[16]          الكفاية، ص542. وعناية الأصول، ج6، ص242 و243.

[17]          الفصول الغروية، ص423ـ424.

[18]          المصدر السابق، ص416.

[19]          دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، ج2، ص104 و106.

[20]          شورى الفقهاء، ج1، ص343 و347.

[21]          الإجتهاد والتقليد للخوئي، ص31 .

comments powered by Disqus