-
ع
+

المثقف الديني وحقوق الإنسان

يحيى محمد

لقد انصب إهتمام المفكر الديني على قضايا الحقوق الكلية التي تهم المجتمع والأمة، بخلاف الفقيه الذي حصر إهتمامه في القضايا الجزئية بالتفريع والتوسيع. وإن هذا الفارق يعود إلى إختلاف المصادر التي يعولان عليها في الأخذ والإعتبار. فبينما يقتصر الفقيه على النص وسلطة السلف عادة؛ فإن المفكر يجد في الواقع ومقاصد التشريع المدار الأكبر لحركته المعرفية ونشاطه الإنساني. وبالتالي كان له موقف واضح وصريح إزاء حقوق الإنسان؛ تأثراً بالمصدرين السابقين. فهو ينادي بالعدل والحرية والمساواة من دون تمييز ديني بين الناس. وهو يدافع عن حقوق المرأة ويساويها مع الرجل في قضايا كثيرة مما هو خلاف النظر السائد في التركة الفقهية. كذلك أنه يدعو إلى الدستور وتقييد صلاحيات الحاكم؛ خلافاً لمفاهيم الفقه التقليدي عن الخلافة وسلطتها غير المحدودة، إذ هي تنعقد بقيد، لكنها ما أن تنعقد فانها تصبح طليقة بلا تقييد ملزم سوى ما هو صريح الشرع. فهذا هو الإتجاه الذي آل إليه الطهطاوي والتونسي والأفغاني والنائيني والكواكبي وغيرهم. والذي لفتهم إليه هو التجربة الغربية. فكما يرى رشيد رضا أن الحكم الدستوري المقيد لم يلتفت إليه المسلمون إلا من خلال رؤية الغربيين ومعاشرتهم رغم أنه واضح وصريح في القرآن. الأمر الذي جعل المفاهيم الغربية تختلط بالإسلامية، ومن ذلك ما ظهر من خلط بين المفاهيم الثلاثة التالية: الشورى والديمقراطية والإشتراكية. فمثلاً أن الكواكبي يرى أن الإسلام مؤسس على أصول الحرية برفعه كل سيطرة وتحكّم، وبأمره بالعدل والمساواة والقسط والأخاء، وبحضه على الاحسان والتحابب، وقد جعل أصول حكومته الشورى الارستقراطية أو ما يطلق عليه شورى الحل والعقد في الأمة، كما وجعل أصول إدارة الأمة التشريع الديمقراطي، أي الإشتراكي[1].

وما يعنينا هنا أن المفكر الديني هو الذي لفت العقول إلى وجود التقييد في الحكم الدستوري في القرآن والإسلام، وذلك بفعل المرجعية الواقعية والإفادة من الخبرة البشرية. أما الفقهاء فلم تسعفهم أدواتهم بإكتشاف ذلك التقييد أو الإعتراف به تبعاً للمسلك التجزيئي الذي سلكوه بعيداً عن إعتبارات الموجهات الكلية في النص.

مع ذلك فإن المفكر الديني لا ينكر فضل الغرب في تعريفنا بما لم ينتبه إليه فقهاؤنا وعلماؤنا من قبل. وهو يعي هذه المفارقة الحادة، حيث الزعم أن ما اكتشفه الغرب هو ذاته ما كان يؤكد عليه الإسلام والقرآن، رغم أن علماء المسلمين قد غفلوا عنه كلياً. مما جعل بعض المفكرين الدينيين لا يتحفظ من ابداء الخجل أمام هذه المفارقة الجسيمة، فكما يقول الشيخ حسين النائيني وهو بصدد تبرير الديمقراطية أو ما يطلق عليها الشوروية العمومية: ‹‹مع مزيد الاسف والحسرة ما أشد جهلنا - عبدة الظالمين وحاملي شعبة الإستبداد الديني - بمداليل الكتاب والسنة وأحكام الشريعة وسيرة النبي المطهر والإمام المكرم.. وترانا عوضاً من أن نقول في حق الشوروية العمومية: هذه بضاعتنا ردّت الينا، نعدها مخالفة للقانون الإسلامي، فكأننا لم نقرأ تلك الآيات الواضحة الدلالة أو لم نحصل على مفادها››. ثم أنه في محل آخر يقول: ‹‹أما اليوم وقد حصلنا بعد اللتيا والتي على شيء من التنبه والشعور، وقمنا نأخذ مقتضيات ديننا من الاجانب مع تمام الخجل قائلين هذه بضاعتنا ردت إلينا[2].

وقبل ذلك كتب رشيد رضا عام (1907م) وهو بصدد إثبات الحكم الدستوري يقول: ‹‹لا تقل أيها المسلم أن هذا الحكم (الدستوري) هو أصل من أصول ديننا استفدناه من الكتاب المبين وسيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الاوروبيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الإعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام، ولكان أسبق الناس إلى الدعوة لإقامة هذا الركن علماء الدين في الأستانة وفي مصر ومراكش، وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤكد حكومة الأفراد الإستبدادية ويعد من أكبر أعوانها... فلولا اختلاطنا بالاوروبيين لما تنبهنا من حيث نحن أمة أو أُمم إلى الأمر العظيم، وإن كان صريحاً جلياً في القرآن الحكيم››. وعلى هذه الشاكلة كتب عام (1909م) وهو بصدد التأكيد على الأخذ بالأسباب والسنن الطبيعية فقال: أما قول البعض ‹‹إن الأخذ بالأسباب والعمل بمقتضى السنن الطبيعية وانطباق ذلك بحسب إجتهادنا على القرآن لم يكثر ولم ينتشر عند بعض المسلمين إلا بسبب ما رأوه من تقدم الأمم الغربية باتباع هذه السنن وسبب ضغط اوروبا على الكثير منهم؛ فهو صحيح في الجملة ولا يضرنا أن تعدّنا حوادث الزمن للعمل بما يرشدنا إليه القرآن، وأن نفهم منه ما لم نكن نفهمه نحن ولا آباؤنا الأولون. فإن كلام الله تعالى بحر لا تنفد حِكَمه، بل هي تفيض في كل عصر على المستعدين بما يناسبه››[3].

مهما يكن فقد تأثر المفكر الديني بالواقع الغربي وسلّم بالكثير من منتجاته الحضارية، جاعلاً لهذه المنتجات أصولاً إسلامية لتمريرها في أوساط الأمة؛ تبعاً لمقولة: هذه بضاعتنا رُدت الينا. وواضح أن الاستعارة لا تتوقف عند حدود البضائع المادية، وإنما تمتد إلى المفاهيم والمبادئ النظرية، كالإعتراف بالمساواة والحريات العامة والإشتراكية والوطنية وغيرها مما يعدها الفقيه بأنها أجنبية تتصادم مع النص ولا تتلاءم مع المرجعية الدينية. فالطهطاوي مثلاً هو أول من تحدث عن الوطنية ودعا إلى الإعتزاز بالتاريخ المصري والتراث الفرعوني، كما وادخل النشيد الوطني، وأول من كتب عن ‹‹الوطنية القومية››. كما ودعا إلى الدستور والحرية[4].وكذا هو الحال مع محمد عبده والكواكبي فيما تأثرا فيه بجملة من مفاهيم الغرب وأفكاره، ومن ذلك مبادئ الثورة الفرنسية المتمثلة بالحرية والأخاء والمساواة[5]. وعلى هذه الشاكلة ما قام به محمد اقبال من توظيف عقيدة التوحيد إلى معان آيديولوجية تتسق والمفاهيم الغربية، حيث عدّ هذه الفكرة - التوحيد - قابلة لأن يستخلص منها مفاهيم يمكن تنفيذها على مستوى المساواة والاتحاد والحرية[6]. فهنا أن العقيدة قد تم توظيفها في خدمة الآيديولوجيا الإجتماعية، بخلاف مسلك الفقيه الذي يتحفظ من التعاطي مع المعاني العقدية، وكذا التأثر بالعناصر الأجنبية والغربية.

كذلك استحسن المفكر الديني جملة من الممارسات والنشاطات الفنية المزدهرة في الغرب، ومن ذلك النحت والرسم وإقامة المسارح والتمثيل، فضلاً عن تذوق الموسيقى والغناء وما إليها. مع أن ذلك يعد من الممارسات غير الشرعية لدى الفقيه في الغالب.

يضاف الى ما سبق يعد المثقف أكثر مرونة وإنفتاح على الآخر من الفقيه، سواء كان الآخر ينتمي إلى الدائرة الإسلامية أو خارج عنها. ففي الدائرة الداخلية أنه يخالف نزعة الفقيه التي تمرست على الفرقة والتمذهب والتضليل تبعاً لمقالة الفرقة الناجية وسط فرق الضلال. والمثقف الديني على خلاف الفقيه يتوق إلى جمع الشمل ويؤمن بالأخوة الصادقة بين الطوائف الإسلامية، بل وينحاز إلى الأخوة العالمية الشاملة[7]. فمثلاً أن الكواكبي بفعل المرونة والتطلع إلى تجارب الأمم له أحاسيس تسع لعالم الإنسانية كلها، بحيث يصبح الناس جميعاً هم قومه وليس قبيلته، والأرض هي وطنه وليس بلده الذي ولد فيه وترعرع، معتبراً ذلك من جملة الكمالات بالخصال[8]. لكن التفضيل عنده هو بحسب التقوى التي فهمها فهماً يختلف عما لدى الفقيه وهو أنها تعم غير المسلمين بإطلاق[9]. وفعلاً أنه لا يتحفظ من ثنائه ووثوقه بالآخر المتمثل بالغرب، وذلك لما قدمه من تشريعات وتنظيمات عدّها هي نفسها التي يقصدها الدين ويرضى بها الله تعالى[10]. وأكثر من هذا فقد بشّر بقرب ميلاد مجتمع إشتراكي بلا دولة، أو بمجتمع ‹‹العولمة›› الذي تحكمه الشركات[11]. فهو يمتدح المعيشة الإشتراكية معتبراً إياها من أبدع ما تصوره العقل، مثنياً بذلك على بعض الحكومات التي لم تسمح بالتملك إلا ضمن حدود ضيقة[12].

 



[1]  طبائع الإستبداد، ص450.

[2] النائيني: تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تعريب صالح الجعفري، نُشرت ترجمة الكتاب في: مجلة الغدير، عدد 10ـ11، 1990م، ص84 و86.

[3] عن: وجيه كوثراني: ثلاثة ازمنة في مشروع النهضة العربية والإسلامية، ضمن الحركات الإسلامية والديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1999م، ص327.

[4] الفكر العربي المعاصر، ص64 و36.

[5] أم القرى، ص262.

[6] تجديد التفكير الديني في الإسلام، ص178

[7] ومن ذلك أن بعض الإتجاهات المعاصرة من الحركات الإسلامية التي ارادت لنفسها أن تنخرط في صف الإصلاحية الأولى للمثقفين الدينيين قامت برد الإعتبار للإتجاهات المعارضة غير الرسمية من المذاهب كالخوارج والشيعة، كما وامدت جسور الإنفتاح على الحكومات التي تحكم باسمها مثل ايران. كذلك أنها على الصعيد العام التزمت بمبدأ عدّته من مقاصد التشريع الأساسية، إلا وهو الإنسانية أو الاخوة الشاملة

[8] طبائع الإستبداد، ص522.

[9] طبائع الإستبداد، ص450.

[10]  طبائع الإستبداد، ص517 و523. وأم القرى، ص306ـ307.

 [11]طبائع الإستبداد، ص534. 

[12] طبائع الإستبداد، ص477ـ479.

comments powered by Disqus