-
ع
+

المثقف الديني وإعادة الاعتبار للمصلحة والمقاصد


يحيى محمد

لقد أعاد المفكر الديني إعتبارات المصلحة والمقاصد بخلاف الفقيه الذي لم يولِها عادة الإهتمام الكافي، بل ولا يقرها إن كانت على خلاف المنصوص فيه، بدلالة رفض الفقهاء ما جاء به الطوفي من قبول ترجيح المصلحة على حكم النص عند التعارض. في حين جاء المفكر الديني ليحيي هذه الناحية ويفعّل دورها وتطبيقها على القضايا المستجدة والمعاصرة. الأمر الذي جعل البناء المعرفي للمفكر يختلف إنتاجاً عن المألوف لدى الفقيه.

فرشيد رضا اعتبر أن المراد بكلمة (الفقه) كما وردت في نصوص الشريعة ومنها النصوص النبوية؛ هي معرفة مقاصد الشريعة وحكمها، وليست هي علم أحكام الفروع المعروف. فالمعنى الأخير مستحدث مثلما بيّن ذلك الغزالي والحكيم الترمذي والشاطبي وغيرهم. وعلى ذلك كان رؤوس المسلمين في عصر النبي والخلافة الراشدة من أهل هذا الفقه المقاصدي في الغالب[1]. وهنا تأتي أهمية كتاب (الموافقات في أصول الشريعة) للشاطبي عند هذا الشيخ واستاذه الذي كثيراً ما كان يوصي طلابه بالإهتمام بدراسة الكتاب والتحقيق فيه، كما ينقل ذلك المرحوم عبد الله دراز في مقدمة تحقيقه للكتاب. كذلك فإن رشيد رضا قام بنشر رسالة نجم الدين الطوفي (في رعاية المصلحة) في أحد أعداد مجلته (المنار)، وأيد ما جاء فيها من نظرية.

فابتداءاً إن السيد واستاذه رأيا أن العمل فيما ليس له حكم في الكتاب والسنة برأي أولي الأمر في كل زمن بشرطه؛ هو أولى من العمل برأي فقهاء القرون الخالية بإعتباره أقرب للمصلحة. لذا أشرط أن يكون أصحاب الرأي عالمين بالنصوص ومقاصد الشريعة وعللها حتى لا يخالفوها وليتيسر لهم رد المتنازع فيها إليها[2]. أما من حيث الموقف المعرفي من نظرية الطوفي، أو علاقة المصلحة بالنصوص، فالملاحظ أن رشيد رضا يعد التعارض بين المصلحة العامة وبين العمل ببعض النصوص أنه يرجع في الحقيقة إلى التعارض بين النصوص، لأن مراعاة المصلحة مؤيدة بها. وهذا هو أهم مبررات الطوفي في ترجيح المصلحة على حكم النص. مشيراً إلى أنه قلما يوجد في الكتب المتداولة بحث مشبع في هذه المسألة الهامة التي تتوقف عليها حياة الشريعة والعمل بها ‹‹وإنك لترى المشتغلين بالفقه لا يبالون بتقديم نصوص علماء مذاهبهم على العمل بما تحفظ به المصلحة العامة، فما بالك بنصوص الكتاب والسنة››[3]. لكنه مع هذا أشار في محل آخر إلى تقييد العمل بأصل المصلحة في قبال النصوص ضمن حدود لم ترد لدى الطوفي كما سيتضح عما قريب.

ومن حيث التطبيق فإن قضية الرق تعد أهم القضايا التي عولجت تبعاً للمقاصد. فقد أخذ تيار المثقفين يتنكرون للرق ويقدرون أن الشريعة حاربته بالتدريج، وعلى حد قول الشيخ الإمام، كما ينقله الكواكبي ويؤيده فيه، بأن ‹‹قصد الشريعة الإسلامية إبطال الرق أساساً بالتدريج››[4]. كما أن رشيد رضا برر جواز منع الرقيق بتحريم المباح طبقاً للمصلحة، وذلك أنه عدّ المصلحة أصلاً في الأحكام السياسية والمدنية يرجع إليه في غير تحليل المحرمات أو إبطال الواجبات[5]. وكأنه يريد أن يقول أن تحليل المحرمات وإبطال الواجبات غير جائزين، لكن تحريم المباحات أو ايجابها جائز طبقاً للمصلحة، وهو ما ينطبق على قضية الرق. وبمثل هذا الإعتبار يمكن تبرير ما فعله محمد عبده بشأن فتوى تحريمه للزواج المتعدد[6]. ولا شك أن مثل هذه الأحكام وتبريراتها هي على خلاف الموروث الفقهي.

 

 



[1] المنار،ج5، ص196.

[2]  المنار، ج5، ص227.

[3] المنار، ج5، ص212. أيضاً: ج7، ص194.

[4] أم القرى، ص260.

[5] المنار، ج5، ص9.

[6] محمد عبده: المساواة بين الرجال والنساء، نصوص نشرتها مجلة منبر الحوار، عدد8، 1408هـ ـ1987م، ص170. والأعمال الكاملة، ج2، ص84 وما بعدها. والمنار، ج4، ص349 وما بعدها.

comments powered by Disqus