-
ع
+

هل في آية النفر والذِكْر دليل على الإجتهاد؟

يحيى محمد

لقد إستدل المتأخرون في الإتجاه الشيعي على مشروعية الإجتهاد بعدد من نصوص القرآن والحديث. ومع ذلك فالأدلة التي قدموها ضعيفة لا ترقى إلى مستوى العلم والإطمئنان. فمن القرآن الكريم إستدل المتأخرون بآية الإنذار: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)))[1](. إذ قيل ان الآية تدل على الإجتهاد لأنها تتضمن وجوب التفقه في الدين ومن ثم الإنذار الذي ليس هو «إلا الإخبار عن حرمة شيء أو وجوبه حسبما أدى إليه رأي المنذر»)[2].(

لكن لا دليل في الآية على الرأي والإجتهاد بما يفضي إليه من ظنون وإعتبارات عقلية، فمراد الآية بحسب الظاهر هو طلب التفقه المبني على العلم أو اليقين ولو كان عادياً مما يتناسب مع ما كان عليه الحال في عصر النص. لأنا نعتقد بأن الإجتهاد المصطلح عليه لدى المتأخرين لا عين له ولا أثر في ذلك العصر. إذ لا تجد هناك من يخصص ويقيد ويضيف الإعتبارات العقلية والتحليلات اللغوية من هنا وهناك، بل كان نقل الرواية والأخذ بمضمون النص والخبر هو الجاري دون غيره. ولو أن هناك من فعل غير ذلك من دون ضرورة وإضطرار لكان مذموماً باعتباره يعول على ما هو مظنون رغم وجود النص المفيد للعلم والإطمئنان. لهذا فإن الإختلاف بين الإجتهاد الذي مارسه العلماء المتأخرون وبين الآلية التي زاولها السلف في عصر النص ليس مجرد إختلاف عائد إلى شدة وخفة المؤونة، أو الصعوبة والسهولة، كما يرى بعض الفقهاء)[3](، بل هناك فارق نوعي يكمن في كون الممارسة السلفية وقت عصر النص لم تكن مضطرة لطريقة الإجتهاد المصطلح عليه؛ طالما تجد ضالتها المنشودة قريبة منها، سواء من خلال السؤال المباشر للمعصوم أو من خلال الأطراف الناقلة التي تثق بها. وعليه فما الذي يدعوها إلى المغامرة والاجتهاد؛ بأن تخصص أو تقيد أو ترجح بعض المعاني على بعض أو تفتي فيما لا تجد فيه نصاً أو غير ذلك من الممارسات الإجتهادية المتداولة لدى المتأخرين؟!

كما استدل المتأخرون على حجية الإجتهاد بآية الذكر: ((فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)))[4](، فاعتبروا اهل الذكر او العلماء حجة على غيرهم ومن ذلك فتاواهم.

مع أن ظاهر الآية ليس بصدد الفتوى، فالمذكور في سورة النحل، ومثله سورة الانبياء، هو قوله تعالى: ((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر)). فسياق الاية كما هو واضح متعلق بعلماء أهل الكتاب، وهو المنقول عن إبن عباس ومجاهد والحسن وقتادة)[5](. كما أنه لا دلالة في الآية على حجية الفتوى المتضمنة للظن، خاصة وقد ذمّ القرآن الكريم إتباع الظن في كثير من المواضع.

وقد يُستدل على حجية الإجتهاد بآية الكتمان: ((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)))[6](، وذلك بأن يقال بأن حرمة كتمان ما أنزله الله تعالى من البينات والهدى دالة على حجية ما يتلقاه المتفقه من تلك البينات، والتي منها ما يتلقاه المجتهد في طلبه لعلم الفقه بمعرفة الحلال والحرام، حيث أنهما يدخلان ضمن البينات والهدى.

لكن التعويل على هذه الآية ضعيف. فظاهرها دال على حالة العلم بالبينات والهدى لا الظن. يضاف إلى أن مورد نزول الآية لا علاقة له بالفقه، إذ نزلت بصدد كتمان اليهود لعلامات النبي (ص) بعد تبيانها لهم في التوراة)[7].(

 



[1] التوبة/ 122.

[2] الإجتهاد والتقليد للخوئي، ص315 .

[3] المصدر السابق، ص186.

[4] النحل/ 43، والأنبياء/ 7.

[5] تفسير القرآن العظيم لإبن كثير، ج2، ص591 . وفرائد الأُصول، ج1، ص132 .

[6] البقرة/ 159.

[7] تفسير إبن كثير، ج1، ص206 . وفرائد الأُصول، ج1، ص132 .

comments powered by Disqus