-
ع
+

تطور معنى الإجتهاد في الساحة السنية

يحيى محمد 

حدث لمفهوم الإجتهاد تطورات عديدة، منذ بداية تأسيسه التنظيري إلى يومنا هذا. ففي البداية لم يكن معنى الإجتهاد يخرج عن القياس أو ما يقابله من الممارسات الإجتهادية الأُخرى التي وضعت لأجل تحديد أحكام القضايا غير المنصوص فيها؛ مثل الاستحسان والمصالح المرسلة وما على شاكلتها، وبالتالي فإن مفهومه لم يكن دالاً على بذل الجهد لإستنباط الأحكام من النص وفي النص ذاته، كما هو واضح عند المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها من المذاهب التي سادت خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة. فقد عُدّ الإجتهاد مصدراً من مصادر التشريع، وبالتالي فهو يقع في نفس القائمة التي تضم المصادر الأساسية للإستنباط، كالكتاب والسنة والإجماع. مما يعني أن آلية إستنباط الأحكام من المصادر الثلاثة لم تفهم بأنها من الإجتهاد. فالإجتهاد لم يصح إلا مع عدم وجدان الحكم الشرعي من المصادر الآنفة الذكر.

فمن الناحية المبدئية أن الدلالة التي تمنحها المصادر الثلاثة هي القطع والبيان أو ما يردّ إلى ذلك من ظنون مؤسسة على البيان ذاته، كحجية الظهور وخبر الواحد، بينما لا يفيد الإجتهاد إلا الظن والرأي. وعليه كان العمل به من موقع الإضطرار طالما ليس هناك حكم للنص أو الإجماع على الواقعة. وكما قال الشافعي - الذي يرادف بين الاجتهاد والقياس -: «ونحكم بالإجماع ثم القياس وهو أضعف من هذا، ولكنه منزلة ضرورة لأنه لا يحل القياس والخبر موجود»([1]). فالاجتهاد إنما يباح للمضطر كما تباح الميتة والدم عند الضرورة ((فمن إضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم))([2]). 

لذلك تحفّظ السلف الأوائل من الفتوى، وكان الكثير منهم يخشون كثرة السؤال وهم يدركون ما يترتب عليه من زجّ النص في حبائل الاجتهاد. حتى جاء قول البعض: التكثير من السؤال في المسائل الفقهية هو تكلف وتنطع فيمالم ينزل، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف([3]).

بداية التنظير

إن أول صورة منظّرة وصلتنا عن مبدأ الإجتهاد الفقهي هي تلك التي رسمها مؤسس علم الأُصول الشافعي (المتوفى سنة 204هـ). أما قبل هذا الامام فلم يردنا شيء بخصوص التنظير، انما كانت هناك قواعد معتمدة للاجتهاد يمارسها الفقهاء؛ كتلك التي اعتمد عليها ابو حنيفة مثل مبدأ الاستحسان، او تلك التي استند اليها مالك مثل المصلحة المرسلة او الاستصلاح. وكما قال الإمام أحمد بن حنبل: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي. وقال الجويني في شرح الرسالة: لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها([4]).

ومن حيث التنظير يرادف الشافعي بين الإجتهاد والقياس؛ في الوقت الذي لا يجد لهذا الإجتهاد،  أو القياس منه بالذات، أساساً منصوصاً عليه من قبل الشرع، لهذا فهو يثير تساؤلاً بهذا الشأن ليجيب عليه فيقول: «فمن أين قلتَ يقال بالقياس فيما لا كتاب فيه ولا سنة ولا إجماع؟ أفبالقياس نص خبر لازم؟ قلتُ: لو كان القياس نص كتاب أو سنة قيل في كل ما كان نص كتاب (هذا حكم الله)، وفي كل ما كان نص السنة (هذا حكم رسول الله)، ولم نقل له قياس. قال: فما القياس؟ أهو الإجتهاد؟ أم هما مفترقان؟ قلت: هما إسمان لمعنى واحد...» ([5]).

ومع ذلك فقد استدل الشافعي على صحة القياس جملة من النص ولكن بصورة غير مباشرة، فتساءل ليجيب قائلاً: «أفتجد تجويز ما قلتَ من الإجتهاد، فتذكره؟ قلتُ نعم إستدلالاً بقول الله: ((ومن حيث خرجتَ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره)). قال: فما (شطره)؟ قلت: تلقاءه... فالعلم يحيط أن من توجّه تلقاء المسجد الحرام ممن نأتْ داره عنه على صواب بالإجتهاد للتوجه إلى البيت بالدلائل عليه، لأن الذي كُلّف التوجه إليه، وهو لا يدري أصاب بتوجهه قصد المسجد الحرام أم أخطأه، وقد يرى دلائل يعرفها فيتوجه بقدر ما يعرفه، ويعرف غيره دلائل غيرها بقدر ما يعرف وإن إختلف توجههما...» ([6]).

هكذا نفهم بأن الشافعي لا يرد القياس إلى النص مباشرة، وهو وإن استدل على الاجتهاد من خلال نص الحديث كما سنعرف، لكن ذلك كان بصدد القضاء، لا بمعناه المصطلح عليه، ولا بمعنى القياس الذي حاول الشافعي أن يستدل عليه بالقرآن. وهو في طريقته في الإستدلال على القياس إنما استند إلى القياس ذاته، وبالتالي فإنه يصادر على المطلوب. حيث كيف يصح له أن يستدل على القياس من خلال فهم طلب التوجه إلى المسجد الحرام في الآية لولا أنه قاس هذه القضية على غيرها؟!

مهما يكن فقد كثر الجدل حول مسند القياس وغيره من موارد الإجتهاد الأُخرى. وموقف الشافعي بهذا الخصوص ربما لا يختلف عما ينسب إلى مواقف المذاهب الثلاثة الأُخرى (الحنفي والمالكي والحنبلي)، سيما ان القائمة التي تضم مبدأ الاجتهاد هي نفسها التي يُذكر فيها النص كمصدر للتشريع. فحينما يعدد أتباع المذاهب الأربعة مصادر التشريع يضعون أنواع الإجتهاد مع أنواع النص وملحقاته جنباً إلى جنب، رغم أنهم يميزون بينهما من حيث الرتبة والدرجة.

فالقرافي المالكي يُحصي في (تنقيح الأُصول) أُصول مذهب مالك ويعددها كالآتي: القرآن والسنة والإجماع، وإجماع أهل المدينة وقول الصحابي، والقياس والمصالح المرسلة والعرف والعادات والإستحسان وسد الذرائع والإستصحاب. كما أن الشاطبي في (الموافقات) حاول أن يرد أدلة المذهب المالكي إلى أربعة؛ جامعاً فيها النص والإجتهاد معاً. فهو يرى أن هذه الأدلة عبارة عن الكتاب والسنة والإجماع والرأي، معتقداً أن مالكاً كان يرى (السنة) متضمنة لكلٍّ من عمل أهل المدينة وقول الصحابي، وأن لفظة (الرأي) تتضمن كلاً من المصالح المرسلة والإستحسان والإستصحاب وسد الذرائع والعادات. وأيضاً فإن الطوفي الحنبلي - ومن قبله القرافي - قد أحصى الأدلة بين العلماء عموماً فوجدها لا تزيد على تسعة عشر دليلاً، وهي كلٌّ من النص والإجتهاد معاً، حيث حددها بكل من: الكتاب والسنة وإجماع الأُمة وإجماع أهل المدينة والقياس وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والإستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد أو العادات والإستقراء وسد الذرائع والإستدلال والإستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة وإجماع الخلفاء الأربعة.

كل ذلك يتسق مع الفهم الخاص للإجتهاد من كونه ليس مستلهماً من النص مباشرة، ولا أنه موضوع بخصوص فهمه بالذات، بل بالعرض. فهذا هو حال ما كان عليه العصر الذي ضمّ أئمة المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها.

لكن مع مرور الزمن أخذ مفهوم الإجتهاد يتسع ويتغير، فقد كسب هذا المفهوم معنى شمل فيه حالة الإجتهاد في النص، ولم يبقَ حبيساً وموقوفاً على ما لا نص فيه كما عهدناه في السابق. كما ظهرت محاولات واسعة للإستدلال بالنص على قضايا الإجتهاد، سيما القياس منه. ومن ذلك شاع الإستدلال على جواز العمل بالإجتهاد بدعوى الإجماع وذكر بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتضمن عدم الممانعة من العمل به حين عدم توفر النص، كالاستدلال بحديث معاذ بن جبل. ويبدو ان الشافعي لم يعول على هذا الحديث باعتباره مرسلاً، فكما نصّ الآمدي ان المرسل عند الشافعي ليس بحجة، ومعلوم أن الشافعي لا يأخذ بالمرسل الا بشروط. لكنه مع هذا استدل على الاجتهاد برواية اخرى تتعلق بالقضاء، اذ روى عن عمرو بن العاص - وكذا عن أبي هريرة - أنه سمع رسول الله (ص) يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»([7])، وهي الرواية التي يوردها البخاري ومسلم في صحيحيهما عن هذين الصحابيين. لكن العلماء الذين جاءوا بعد الشافعي لم يكتفوا بالقدر الضيق الذي اعتمده الشافعي في الاستدلال على الاجتهاد، بل وسّعوا من هذه الدائرة؛ فاستدلوا عليه بمختلف الأدلة، سواء من حيث النصوص القرآنية، او الأحاديث الكثيرة، او دعوى الاجماع، او سيرة الصحابة واقوال الخلفاء الراشدين.

أما من حيث إتساع مفهوم الإجتهاد، فقد ذكر العلماء المتأخرون ان الاجتهاد ينطبق على قضايا النص ولا يقتصر على الوقائع غير المنصوص فيها، كالذي يوضحه ما قاله أبو الحسين البصري (المتوفى سنة 436هـ): «وأعلم أن الفقهاء يعدّون من مسائل الإجتهاد ما يستدل عليه بالكتاب كالنية في الوضوء والترتيب وأن (الواو) للترتيب أو للجمع..»([8]).

ومن جهته صرح الغزالي في كتابه (المستصفى) بأن الاجتهاد هو «بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة»)[9](. بل أكثر من ذلك فإن هذا الإمام لم يعتبر دائرة الإجتهاد خارجة عن دائرة النص، بدلالة أنه يعد أُصول الأدلة أربعة، هي: الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل والإستصحاب الدالين على براءة الذمة في الأفعال قبل ورود السمع)[10](. ومثل ذلك وقبله نجد تعريف الإجتهاد عند إبن حزم (المتوفى سنة 456هـ) مقيداً بما هو منصوص باعتباره ينكر قضايا الإجتهاد فيما لا نص فيه. إذ يعرفه بأنه «بلوغ الغاية وإستنفاد الجهد في المواضع التي يرجى وجوده فيها في طلب الحق فمصيب موفق أو محروم»)[11](. او انه عبارة عن: انفاد الجهد في طلب الحكم في الدين في القرآن والسنة والإجماع)[12].(

وعلى هذه الوتيرة ظهر مفهوم الإجتهاد لدى الآمدي والفتوحي والشنقيطي ومحب الله بن عبد الشكور وعلاء الدين البخاري وغيرهم من المتأخرين. وبعضهم بسطه على ساحة العقليات، كما هو الحال مع الشيخ ابي محمد السالمي (المتوفى سنة 1332هـ) الذي عرفه بأنه «استفراغ الفقيه الوسع في استحصال حادثة بشرع أو عقل، وانما قلت كذلك ليشمل العقليات فان فيها الاجتهاد ايضاً»)[13].(

وعلى العموم فإن معظم تعاريف الإجتهاد لها صفة الاطلاق والعموم، أو أنها تجعل موضوعها الأساس هو النص وليس قضايا ما لا نص فيه. فشتان بين المفهوم القديم للإجتهاد كما حدده الشافعي وبين ما استحدثه الأتباع فيما بعد. إذ كان التحديد الأول ينحصر في حدود (الإنتاج المعرفي) الخاص بالإجتهاد فيما لا نص فيه، بينما شمل التحديد الأخير مجال «فهم النص» ووضع تفاوتاً بيّناً بين الفهم والشريعة.

 



[1] الشافعي: الرسالة، شرح وتحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثانية، 1979م، ص599. كذلك: إبن القيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف، دار الجيل ببيروت، 1973م، ج2، ص284.

[2] أعلام الموقعين، ج2، ص284.

[3] الجامع للقرطبي، ج6، ص332.

[4] بدر الدين الزركشي: البحر المحيط، شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة 3 (لم تذكر ارقام صفحاته).

[5] الرسالة، ص476ـ477.

[6] المصدر السابق، ص487ـ488.

[7] الرسالة، ص494.

[8] البصري، أبو الحسين: المعتمد في أُصول الفقه، تحقيق محمد حميد الله، طبعة دمشق، 1964م، ص766.

[9] الغزالي، أبو حامد: المستصفى من علم الأُصول، وبذيله (فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت في أُصول الفقه)، المطبعة الأميرية في مصر، الطبعة الأُولى، 1322هـ، ج2، ص350.

[10] المصدر السابق، ج1، ص100 و217ـ218.

[11] انظر لإبن حزم: الإحكام في أُصول الأحكام، مطبعة السعادة، ج1، ص45، ج5، ص126 وما بعدها. والمحلى، تصحيح محمد خليل هراس، مطبعة الإمام في القلعة بمصر، ج1، ص60.

[12] ابن حزم: النبذ في أصول الفقه، شبكة المشكاة الالكترونية، ص74.

[13] السالمي، عبد الله بن حميد: مشارق أنوار العقول، صححه وعلق عليه احمد بن حمد الخليلي، منشورات العقيدة بسلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1398هـ ـ1978م، ص70.

comments powered by Disqus