-
ع
+

الناس ومشكلة البحث في العقائد

 يحيى محمد

إن أغلب الناس قاصرون عن بلوغ مرتبة العلم والإجتهاد، لذلك لا معنى لمطالبتهم بتقديم الأدلة على الأصول والعقائد. وقد اعترف بعض المتأخرين بمثل هذا القصور فبرّأ ذمتهم من البحث في الأدلة، كالشيخ الأنصاري الذي  صرح قائلاً: «إنّ الإنصاف أنّ النظر والإستدلال بالبراهين العقلية للشخص المتفطّن لوجوب النظر في الأصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشُّبَهِ الحادثة في النفس والمدوّنة في الكتب، حتّى أنهم ذكروا شُبَهاً يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لأعمارهم في فنّ الكلام، فكيف حال المشتغل به مقداراً من الزمان لأجل تصحيح عقائده، ليشتغل بعد ذلك بأُمور معاشه ومعاده، خصوصاً والشيطانُ يغتنمُ الفرصة لإلقاء الشبهات والتشكيك في البديهيات، وقد شاهدنا جماعةً قد صرفوا أعمارهم ولم يحصِّلوا منها شيئاً إلا القليل»[1].

أما القول بأنه يكفي معرفة الإجمال من الأدلة كما ذهب إلى ذلك الشريف المرتضى والشيخ الطوسي وغيرهما[2]؛ فهو وإن كان في حد ذاته صحيحاً، لكنه لا يتحقق في الغالب على وجهه الصحيح. إذ تندفع الناس إلى أخذ المجمل من الأدلة بالتقليد من غير تحقيق؛ وفاقاً مع السائد فيما تفرضه الظروف الاجتماعية والبيئات المذهبية.

ومثلما ان هذا الحال من الإلفة يفضي إلى جعل الناس على حالهم من التقليد دون تغيير؛ فكذا أن نزعة التكفير المقترنة بالحث على النظر في الأدلة تكرس التقليد هي الأخرى بعدم مخالفة حدود المذهب. وللسبب السابق، إن نزعة التقليد قد تغلغلت وسط العلماء إلا ما شذّ منهم، إذ العالم لا ينشأ عالماً إبتداءاً، بل لا بد من أن يمرّ بمرحلة التقليد والتغذي من المذهب أو البيئة التي تربى في أحضانها، فتنعكس في نفسه صورة المذهب بما يتضمنه من معارف وميول تنمو معه عند الكبر، فيترآى له حين ذاك أن لديه ما يكفي من الأدلة على العقائد، رغم أنه استمرأها وهو ما زال في مرحلة النشء والصغر. لذلك لا نرى من العلماء من إنقلب على إعتقادات بيئته، فكلٌ يدافع على ما يمنعه الآخر بحسب موقعه المذهبي، من غير تبادل في المواقع إلا ما شذ وندر. فالشيعي يظل شيعياً، كما أن السني يظل سنياً، وكذا اليهودي والنصراني وغيرهم من علماء المذاهب والأديان والطوائف.

وقديماً قام الغزالي بتحليل هذه الظاهرة من تقليد العلماء للبيئة التي نشأوا فيها، تبعاً للحيل النفسية، فقال: «وأما إتّباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقاً وقواهم على إتباعه، وإن أردت أن تجرب هذا في الإعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت إنه مذهب الأشعري لنفر وإمتنع عن القبول وإنقلب مكذباً بعين ما صدّق به مهما كان سيء الظن بالأشعري، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا، وكذلك تقرر أمراً معقولاً عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود إلى التكذيب، ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين بإسم العلم، فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل، فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما إعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة، فيضعون الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلاً وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه، وبالدليل كل ما يوافقه، وإنما الحق ضده، وهو أن لا يعتقد شيئاً أصلاً وينظر إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقاً ونقيضه باطلاً، وكل ذلك منشؤه الإستحسان والإستقباح بتقديم الإلفة والتخلق بأخلاق منذ الصبا»[3].

ورغم أن هذا الحال الذي تتصف به المذاهب الدينية وغيرها يعتبر خاطئاً لا يقره المنطق والعقل باعتباره دالاً على نزعة التقليد المنكرة والمذمومة[4]؛ إلا أنه مقبول من الناحية الواقعية دون رفض ولا نكران. فإخلاص المكلف وحياده العلمي في بحث الأدلة دون إعتبارات أخرى باستثناء الكشف عن الحقيقة؛ يبعث  - ولا بد - على الإختلاف، مثلما نلاحظ ذلك في الفقه وغيره من العلوم. وهو ما يفضي إلى تبادل المواقع وتوزيعها بين العلماء داخل الفرق والمذاهب المتنافسة. وهذا ما يجعلها ساخطة على الدوام لإنقلاب أقطابها عليها بين حين وآخر.

سن البلوغ ومشكلة التكليف

كما هناك مشكلة أخرى تتعلق بسن البلوغ، إذ السن المقرر للبلوغ والتكليف لا يتناسب كلياً مع المطالبة بمعرفة الأدلة على الأصول والعقائد. فقد ذهب أغلب العلماء إلى أن بداية البلوغ لا تتعدى سن الخامسة عشرة[5]، إذ يحصل التكليف عند الإنزال للغلام والحيض أو الحمل للفتاة. وحيث يمكن أن يتأخر ذلك ويتقدم؛ لهذا إعتبر الفقهاء أن لسن البلوغ  إمتداداً بين بداية ونهاية. فهو يبتدئ  في سن الثانية عشرة في الذكور وسن التاسعة في الأُناث، أما نهايته فقد إختلف حولها المجتهدون، إذ ذهب أبو حنيفة إلى أنها تتحقق في سن الثامنة عشرة في الذكور والسابعة عشرة في الأُناث، وهو المروي عن إبن عباس. ونقل عن أبي حنيفة قوله: «إنا قد علمنا أن إبن عشر سنين لا يكون بالغاً، وقد علمنا أن إبن عشرين سنة يكون بالغاً، فهذان الطرفان قد علمنا حكمهما يقيناً، ووكل حكم ما بينهما في إثبات حد البلوغ إلى إجتهادنا، إذا لم يرد فيه توقيف، ولا يثبت به إجماع». على ذلك فقد رأى هذا الإمام أن حد البلوغ يكون ثماني عشرة سنة[6].

لكن جمهور الأئمة وصاحبي أبي حنيفة إعتبروا أنها تتحقق في سن الخامسة عشرة في الذكور والإناث معاً[7]. وقال كثير من المتفقهة على ما نقله الأشعري: لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأحد شيئين؛ إما أن يبلغ الحلم مع سلامة العقل، أو تأتي عليه خمس عشرة سنة. وذهب ذاهبون إلى سبع عشرة سنة. وقد شذّ عن جملة الناس شاذون فقالوا: لا يكون الإنسان بالغاً ولو أتت عليه ثلاثون سنة أو أكثر منها مع سلامة العقل حتى يحتلم. كما نقل عن جماعة أخرى قولهم: «لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأن يضطر إلى علوم الدين. فمن إضطر إلى العلم بالله وبرسله وكتبه فالتكليف له لازم والأمر عليه واجب. ومن لم يضطر إلى ذلك فليس عليه تكليف وهو بمنزلة الأطفال. وهذا قول ثمامة بن أشرس النميري»[8].

والمشهور لدى المذهب الشيعي أن سن البلوغ والتكليف هو الخامسة عشرة في الذكور والتاسعة في الأُناث، إذ المعتبر أن الغلام متى إحتلم بلغ وأدرك وخرج عن حد الطفولة ودخل إلى حد الرجولة. وكذا الأُنثى إذا أدركت وأعصرت فإنها تكون إمرأة كغيرها من النساء[9].

مع أن الواقع  يشهد بأن البلوغ الجنسي للغلام والفتاة لا يحولهما في الغالب إلى رجل وإمرأة، كما أنه لا يدخلهما - عادة - في سن الكمال والرشد العقلي؛ رغم ما له من تأثير على نمو العقل وإدراكاته. وبالتالي فمن غير المعقول أن يُحدد التكليف بالعقائد بحسب تلك الإعتبارات من الإحتلام والحيض والإنزال، أو بلوغ سن الخامسة عشرة أو ما دونها. فالملاحظ ان الحدود التي رُسمت لسن التكليف إنما تتعلق بالتكليف في الفروع والعبادات. لكن حيث أن ذلك يتوقف على معرفة العقيدة والإيمان بها بالدليل؛ لذا فإن التكليف بها يقتضي أن يسبق ذلك الوقت وإن لم يحدده الفقهاء أو ربما لم يتطرقوا إليه لعلمهم بأنه عسير أو يصعب تحقيقه. مع هذا يمكن أن يُخصص في أُمور معرفية واضحة لا تحتاج إلى جهد كبير من التفكير والتأمل، كقضية وجود الله ووحدانيته، كما يشهد عليهما الواقع بوضوح لا يحتاج إلى التأمل والبحث والإطلاع.

هكذا ينبغي أن يستند التكليف في العقائد إلى الرشد العقلي بحسب الإستطاعة وبشكل منفصل عما ذُكر من تحديدات هي في حد ذاتها تمنع من التكليف وتدعو إلى التقليد. وقد سبق لبعض المتكلمين أن ذكر بأن البلوغ لا يكون إلا بكمال العقل. وقال بعض آخر: إن البلوغ هو تكامل العقل[10]. بل صرح الأشعري بأن أكثر المتكلمين متفقون على أن البلوغ كمال العقل[11]. مما يعني منع التكليف قبل هذا الكمال، كما صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي؛ معتبراً أن التكامل يعتمد على النظر والتفكير في الأشياء[12]. كما اعتبر جماعة من معتزلة بغداد أن الإنسان لا يكون بالغاً إلا مع الخاطر والتنبيه[13].


[1]           فرائد الأصول، ج1، ص283. كما انظر بهذا الصدد: كفاية الأصول، ص379 و380. والفصول الغروية، ص416.

[2]           رسائل المرتضى، ج2، ص321. وعدة الأصول، ج1، 355. ومعالم الدين، ص387.

[3]           الغزالي: الإقتصاد في الإعتقاد، دار الأمانة ببيروت، 1388هـ ـ1969م، ص173.

[4]           أشار المفيد ـ بهذا الصدد ـ إلى ضرورة أن ينقاد الباحث إلى ما يصل إليه عقله حتى لو خالف جميع المذاهب والبشر، فقال بصدد إحدى المسائل: «وقد جمعت فيه بين أُصول يختص بي جمعها دون من وافقني في العدل والإرجاء بما كشف لي في النظر عن صحته، ولم يوحشني من خالف فيه، إذ بالحجة لي أتم أُنس ولا وحشة من حق والحمد لله» (المفيد: أوائل المقالات، مكتبة الداوري بقم، ص130). كما جاء عن تلميذه الشريف المرتضى ما قوله: «إعلم أنه لا يجب أن يوحش من المذهب فقد الذاهب إليه والعاثر عليه، بل ينبغي أن لا يوحش إلا مما لا دلالة يعضده ولا حجة يعتمده» (عن: أوائل المقالات، هامش ص130).

[5]           قال السبكي: إن الحكمة في تعليق التكليف بخمس عشرة سنة هي أن عندها بلوغ النكاح وهيجان الشهوة والتوقان، وتتسع معها الشهوات في الأكل، ويدعوه ذلك إلى ارتكاب ما لا ينبغي، ولا يحجره عن ذلك ويردّ النفس عن جماحها إلا رابطة التقوى وتشديد المواثيق عليه والوعيد. وكان مع ذلك قد كمل عقله، واشتد اسره وقوته، فاقتضت الحكمة الالهية توجه التكليف اليه، لقوة الدواعي الشهوانية والصوارف العقلية واحتمال القوة للعقوبات على المخالفة. وقد جعل الحكماء للانسان أطواراً، كل طور سبع سنين، وانه إذا تكمل الاسبوع الثاني؛ تقوى مادة الدماغ، لاتساع المجاري، وقوة الهضم، فيعتدل الدماغ، وتقوى الفكرة في الذكر، وتتفرق الأرنبة، وتتسع الحنجرة فيغلظ الصوت، لنقصان الرطوبة وقوة الحرارة. وينبت الشعر لتوليد الأبخرة، ويحصل الانزال بسبب الحرارة (السيوطي: الأشباه والنظائر، دار إحياء الكتب العربية، ص245).

[6]           الفصول في الأصول، ج3، ص371.

[7]           الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ج2، ص778ـ779.

[8]           مقالات الإسلاميين وإختلاف المصلين، ص482.

[9]           فقه الإمام الصادق، ج5، ص95ـ96.

[10]          مقالات الإسلاميين وإختلاف المصلين، ص480.

[11]          مقالات الإسلاميين وإختلاف المصلين، ص482.

[12]          نفس المصدر، ص481.

[13]          المصدر ذاته، ص481.

comments powered by Disqus