-
ع
+

تصورات خاطئة (4) علة تحفّظ الصحابة من تدوين الحديث

يتصور الكثير خطأً أن من أهم أسباب تحفظ الصحابة والتابعين من التدويل العام لكتابة الحديث هو لكي لا يختلط بالقرآن الكريم..

والحال ان من قال بذلك – في الوسط السني - وردده إلى يومنا هذا لم يقدّم أي رواية صريحة عن الصحابة أو التابعين تدعم هذه الفكرة.

فقد استمر حال التحفظ من التدويل العام للكتابة طيلة قرن من الزمان أو أكثر قليلاً. وذكر الحفّاظ أكثر من تفسير لما حدث من منع كتابة الحديث أو الأمر بمحوها وازالتها. ومن ذلك احتمل ابن الصلاح أمرين، أحدهما هو ان النبي (ص) أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عنها لمن وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتاب. والآخر هو أنه نهى عن الكتابة خوفاً من ان يختلط الحديث بصحف القرآن، ومن ثم أذن في كتابته حين أمن من ذلك[1]. وعلى هذه الشاكلة علل ابن حجر العسقلاني في (مقدمة فتح الباري) نهي النبي عن تدوين آثاره، وكذا استمرار ذلك في عصر الصحابة والتابعين، بأمرين: أحدهما خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن، وثانيهما لسعة حفظ هؤلاء وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة[2]. وذكر الرامهرمزي بأن علة كراهة الكتابة من قبل الصدر الأول للصحابة هو لقرب العهد وتقارب الإسناد ولئلا يعتمد على ذلك الكاتب فيهمل الحفظ ولا يعمل به[3]. كما قدّر بعض المعاصرين بأنه لما عمّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة لم يبق لهذا الخوف من معنى، بل أصبحت كتابة السنة واجبة لصيانتها من الضياع[4].

لكن هذا التقدير وكذا القول بأن سبب النهي يعود إلى  الخوف من ان يختلط الحديث بالقرآن، ليس عليه دليل بحسب ما روي عن سيرة الصحابة وأقوالهم. فما روي بهذا الشأن يتعلق بالخشية من الكذب على النبي (ص)، وكذلك كي لا يكون هناك إنشغال بالحديث والإشتغال فيه على حساب القرآن.. لكن ما حدث هو انه ظهر عصر جديد يحمل معاني الانقلاب على ما سلكه كبار الصحابة والتابعون ازاء التعامل مع الحديث، فبرزت سمات جديدة هي على الضد من تلك التي شهدها العصر الاول.


[1]           مقدمة ابن الصلاح، باب في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده.

[2]           ابن حجر العسقلاني: مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل الاول، مكتبة سحاب السلفية الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته). وانظر أيضاً: جمال الدين القاسمي: قواعد التحديث، شبكة المشكاة الالكترونية، ص69.

[3]           الرامهرمزي: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، شبكة المشكاة الالكترونية، ص386.

[4]           لاحظ مثلاً: مصطفى الزرقاء: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، دار الفكر، الطبعة السابعة، ج2، ص927 وما بعدها. كذلك: عبد العزيز الخياط: نظرية العرف، مكتبة الاقصى، عمّان، 1397هـ ـ1977م، ص89.

comments powered by Disqus