-
ع
+

المثقف الديني والنزعات العلمانية

يحيى محمد

إذا ما نظرنا إلى المثقف العلماني نجد أن له توجهات عديدة مختلفة يصل بعضها إلى التضاد والتنافي. وهي على العموم توجهات لا تتعدى في نظرنا الأشكال الخمسة التالية: العلموي كما يتمثل لدى شبلي الشميل وفرح انطوان ويعقوب صروف واسماعيل مظهر وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا، والذرائعي (البراجماتي) مثلما هو الحال لدى المفكرين القوميين كبطرس البستاني وابراهيم اليازجي وجرجي زيدان وانطون سعادة وزكي الأرسوزي وساطع الحصري وقسطنطين زريق، والعقلاني (التنويري) الذي غالباً ما يلجأ إليه المفكرون القوميون حيث يماهون بين النزعتين العقلانية والنفعية، والميتافيزيائي كما يتمثل لدى المفكرين الماركسيين من أمثال ميشال كامل وياسين الحافظ وحسين مروة وهادي العلوي وصادق العظم ومطاع صفدي وطيب تيزيني وعبد الله العروي، واللاعقلي كما هو الحال لدى عبد الرحمن بدوي وعلي حرب، وعادة ما يعمل الشكل الأخير على نقض العقل وتقويض مقولاته المعرفية وفضح إلتزاماته العملية.

ولعل أول شكل برز في تاريخ الفكر العربي الحديث هو الشكل العلموي الممتزج بالذرائعية. فالجيل الأول من المثقفين العلمانيين حمل خليطاً من العلمانية العلموية والنفعية البراجماتية، إذ كان مهتماً بالكيفية التي يمكن أن تتحقق بها نهضة العرب بعد السبات الذي قضوه قروناً طويلة، ومن ثم بلوغهم حد السيادة بمثل ما كانوا عليه من قبل، انطلاقاً من التأثر بالنتاج الحضاري والعلمي للغرب. وعليه كثر الإهتمام لدى هذا الجيل بدوائر المعارف والموسوعات العلمية والأدبية والمعاجم اللغوية، وكذلك زاد الإهتمام بإنشاء الصحف والتركيز على التعليم ومنه تعليم المرأة، مثلما يظهر ذلك لدى بطرس البستاني (1819 ـ 1883).

إذاً فالمثقف العلماني على خمسة أشكال قد تتداخل وتتمازج بنسب وإعتبارات، وهي مازالت سائدة حتى يومنا هذا، ويمكن تسليط بعض الضوء عليها كما يلي:

 

1ـ النموذج العلموي

وهو ذلك الذي يجد في العلم ضالته الوحيدة في البحث عن الحقيقة وتأسيس المجتمع السليم. وبالتالي فإنه لا يقدم اطاراً قبلياً يعتمد عليه غير وثوقه بالنتاج العلمي، ولا يحمل منظومة محددة غير تلك التي تصاغ صياغة بعدية قابلة للتغيير باستمرار تبعاً لما يقدمه العلم من حقائق نسبية. مما يعني أن نهضة المجتمع لا تتحقق بالدين أو غيره من العناصر الحيوية الفاعلة. بل غالباً ما ينظر إلى الدين نظرة العائق من التقدم، ويراه طوراً قد انتهت مهمته تاريخياً، طبقاً لقانون الاطوار الثلاثة من تطور الفكر الإنساني الذي وضعه اوجست كونت، إذ يكون فيه الطور الديني أول المراحل التاريخية للتفكير البشري بما يتصف من سذاجة واسطورة، وبعده جاء الطور الفلسفي الميتافيزيائي منذ الحضارة الاغريقية وحتى العصر الحديث، ثم انتهى الأمر أخيراً عند الطور العلمي كما نجني ثماره اليوم.

 

2ـ النموذج الميتافيزيائي

وهو ذلك الذي يفترض وجود نسق قبلي ثابت كحقيقة مطلقة تتجاوز حدود التاريخ والزمان والمكان. ومنه يتم التعامل مع القضايا الموضوعية، سواء بفهمها بحسب ما عليه النسق، أو العمل على تطبيق مضامينه ومفرداته ولو أفضى الأمر أحياناً إلى تغيير الواقع تغييراً جذرياً، مثلما هو الحال مع الإطروحة الماركسية التي تفترض وجود نسق قبلي جاهز خُيل للماركسيين العرب أن من الممكن تطبيقها على أرض الواقع ومنه الواقع العربي.

 

3ـ النموذج الذرائعي

وهو الذي لا يهمه إن كان مصدر الحقيقة قبلياً أو بعدياً، إنما يهمه توظيف الحقائق لقضايا نفعية تخدم المجتمع. وبعبارة أخرى، إن ما يستقطب تفكير المثقف الذرائعي هو المصلحة التي يسديها إلى المجتمع الذي ينتمي إليه عبر إتخاذه معياراً ما من المعايير المعرفية، وليس هو نفس هذا المعيار، فهو من هذه الناحية قابل لإتخاذ اياً كان من الأطر والأنساق المعرفية، سواء كانت قبلية أو بعدية، طالما تتحقق فيها المنفعة التامة للمجتمع. لذلك فالأصل في هذا النموذج هو خلوه من أي إطار أو نسق معرفي؛ قبلياً كان أو بعدياً، وأن تعذّر عليه التجرد من هذا الغطاء، وبالتالي كان عليه الإمتزاج والأخذ بالصيغ الثقافية من الاشكال الأخرى، سيما الشكلين التنويري والديني، مثلما يلاحظ جلياً لدى المثقف القومي العربي المنشغل بحلم إعادة مجد العرب.

 

4ـالنموذج العقلاني

وهو الذي يؤمن بالعقل إيماناً مطلقاً من حيث قدرته على الكشف عن الحقائق وتحقيق ما تصبو إليه النفوس من نهضة انسانية، لا من منطلق ذرائعي ولا ميتافيزيائي ولا علموي، بل يكفي للعقل حمل قدراته الذاتية في الكشف والمحاكمة والنقد. فهو كما عبّر عنه المفكر القومي قسطنطين زريق بأنه ‹‹العقل الممتحن المنضبط المولّد›› في قبال ‹‹الذاكرة الساردة المرددة المقلدة››[1]. فهذه هي عقلانية المثقف التنويري التي يستبعد فيها أي وصاية خارجية تعمل على الإخلال بالممارسة العقلية، كما ويستبعد أيضاً دخالة كل ما هو غيبي خارج عن الحدود الطبيعية، بل ‹‹يميل إلى الموقف القائل بأن المعقول هو الطبيعي، ولا وجود لشيء خارق للطبيعة، وأقصى ما يعترف به هو المجهول الذي قد يصبح يوماً ما معلوماً››[2]. ويسلم بأنه لا طريق للإنعتاق العقلي سوى الحرية. ويوصي عادة بضرورة العمل بالديمقراطية في الممارسات السياسية. وهو يعتبر فلاسفة التنوير قدوة له بما حققوه من مكاسب، وعلى رأسها مكاسب الحرية والمساواة والأخاء كما بشّرت بها الثورة الفرنسية فيما بعد.

 

5ـ النموذج اللاعقلي

وهو على خلاف سابقه لا يمنح المنطق العقلي دوراً فاعلاً ومميزاً في كشف الحقائق وحل المشاكل العامة. وغالباً ما ينظر إلى العقل والواقع نظرة وجودية لا تبعث على التفاؤل لتحقيق ما ينشده الإنسان من مبادئ وإلتزامات. فالعقل لا إعتبار له فيما يقدمه من مقولات منطقية أو إلتزامات عملية. وعلى ما يراه البعض فإن خلف العقل جانباً مظلماً يتمثل بالباطن الحيواني أو اللامعقول والذي يدفع بالعقل إتجاه مآربه ورغباته. وبالتالي كان لا بد من فضح العقل ومقولاته ونقض منطقه والكشف عن عوراته برده إلى منطقته المقفلة المظلمة من العناصر الباطنية اللامعقولة، بغية السيطرة عليها وكبح جماحها أو إدارتها بالشكل المناسب[3]. وهذا النوع من المثقف والمتأثر بجملة من الفلاسفة الغربيين، كنيتشه والوجودية وفوكو وغيرهم، يعد نادر الحضور بين مثقفينا قياساً ببقية الأنواع الأخرى. وأبرز من يمثله عبد الرحمن بدوي وعلي حرب.

مهما يكن فالملاحظ من حيث الواقع هو أن النماذج الخمسة التي عرضناها لا تعد في غالب الأحيان مستقلة عن بعضها البعض، كما أنها ليست منفصلة كلية عن المثقف الديني.

 

المثقف الديني والنماذج العلمانية

في البدء نتساءل عن نصيب المثقف الديني من تلك النماذج أو الإتجاهات الخمسة، فهل يمكن عده نفعياً أو علموياً أو ميتافيزيائياً أو عقلانياً أو أنه مثقف لا عقلي؟حقيقة الأمر أن جميع هذه النزعات تتجسد فيه وإن بنسب وهيئات مختلفة. وقد يصح القول أن الشكل الميتافيزيائي هو المرتكز المعرفي الأساس الذي يحدد هويته الخاصة، حيث يتمثل بظاهرة الوحي والنص. لكنه ليس خلواً من النزعات المعرفية الأخرى التي تكشف عن طبيعة ثقافته، ففي الغالب أنه قائم على مزيج من العلموية التي تستند إلى حقائق العلم وإعتباراته، والعقلانية التي تتمثل بالإنشداد إلى منطق العقل في محاكمة القضايا العامة. أما النزعة اللاعقلية بالطريقة النقضية التي عرضناها فهو خال منها، لا بمعنى أنه لا يعتقد بوجود جانب مظلم حيواني ولا معقول في النفس البشرية، بل أنه لا يجعل من العقل مطية هذا اللامعقول إلى الحد الذي تتقوض فيه مقولاته المنطقية وإلتزاماته الوجدانية. ومع هذا فهناك صنف من المثقفين الدينيين ممن لا يعتمد على منطق التفكير العقلي بقدر ما يعتمد على دواعي الحدس والوجدان، مثل عثمان أمين في جوانيته، وعباس محمود العقاد في وجدانيته. ويظل الجانب الذرائعي - لدى المثقف الديني - مكملاً لتلك الأشكال المعرفية ومستنداً إلى ما تفرضه من إعتبارات.

على أن بين المثقف الديني والمثقف العلموي تنازعاً وإختلافاً فيما يخص علاقة الدين بالحياة والواقع. إذ يعتقد المثقف العلموي بأن هناك تضاداً بين الدين والعلم، وفي أحسن الأحوال لا يرى أن بالإمكان قراءة الواقع، ومنه الواقع العلمي، بعين دينية. فهو بالتالي لا يرى بديلاً عن العلم يمكنه تفسير الواقع والكشف عن أسراره وخفاياه.

وعلى خلاف المثقف العلموي يرى المثقف الديني أن ما يضعه الأول من تضاد بين العلم والدين وما ينصّب نفسه كنصير للأول على حساب الثاني؛ إنما جاء نتيجة خطأ في التقدير. إذ ليس هناك تضاد بين العلم والدين، إنما التعارض قائم بين مسلكين مختلفين للفهم والتفسير، أحدهما عائد إلى المنهج العلمي كما اتخذه العلماء لتفسير الواقع الموضوعي من خلال الفحص والمراجعة المستمرة إعتماداً على عدد قليل من المسلمات. أما المسلك الآخر فيتمثل بالمنهج البياني الذي ينتمي إليه الفقيه ومن على شاكلته، حيث الميل إلى جعل التكوين المعرفي منحصراً بالنص؛ على شاكلة ما يقوله الإمام إبن حنبل: ‹‹إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق››[4]، أو ما يقوله استاذه الشافعي: ‹‹العلم طبقات شتى.. ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى››[5]. إذ جرى الكثير من تفسير الواقع ومحاولة الكشف عن أسراره وخفاياه ضمن الإعتبارات الواردة في نصوص الرواية والحديث. وبالتالي فإن هذا المسلك يعتمد في الأساس على عالم التدوين والأمر في فهم عالم التكوين والخلق، رغم عدم توفر القطع في سند الأول أو دلالته. من هنا فإذا كانت هناك قطيعة فهي ليست بين العلم والدين، وإنما بين النهجين العلمي والبياني. فالعلم يعتمد على معطيات الواقع والتحليل العقلي وهو ليس معنياً بالنصوص الدينية، وعلى خلافه يصدق الأمر مع المنهج البياني الذي يجد في النص مصدره الرئيسي لتكوين المعرفة، رغم تعامله القائم – في الغالب - على الظنون لا القطعيات. وعلى ما يقوله محمد عبده: ‹‹يرى القارئ أنه لم يكن هناك جلاد بين العلم والدين، وإنما كان بين أهل العلم وبين أهل الدين شيء من التخالف في الآراء››[6].

لهذا وجد المثقف الديني نفسه - منذ بداية ظهوره - معنياً بحل هذه القطيعة عبر عملية التوفيق التي نهجها؛ مخالفاً بذلك كلا النزعتين المتشددتين. فهو يتقبل من جانب النتاج العلمي والسلوك المنهجي الذي يتبعه العلماء في الكشف عن أسرار الواقع وخفاياه؛ خلافاً لما عليه المسلك البياني التقليدي، لكنه من جانب آخر حريص على التمسك بالمبادىء والقيم التي جاء بها النص، مما جعله يختلف تماماً عن النهج الذي عليه المثقف العلموي. وبالتالي يرى أن العلم والدين توأمان، أو أنه لا بد من أن ينتهي أمرهما إلى التآخي[7]. بل إن المثقف الديني يعتبر النتاج العلمي لعلماء الطبيعة يشكل دعماً كبيراً لتأييد ما ينطق به النص. فالنص عنده سابق في الكشف عن خفايا الواقع مقارنة بما عليه العلم، مع الإعتراف بكونه كاشفاً على نحو الإجمال لا التفصيل، بإعتباره لم يوضع بديلاً عن الكشف العلمي، إذ تظل مهمته الأساسية تنحصر بالهداية.

وبهذا فإن إحدى الوظائف التي حملها المثقف الديني على عاتقه هي المزاوجة بين النهجين البياني والعلمي، أو بين الفقيه والعلماني. وبعبارة أدق، جاء ليزاوج بين العلم والدين، أو الواقع والنص، مخالفاً بذلك السير المتصلب الذي عليه كلا النهجين الآنفي الذكر.

على أن نفس ما ذكرناه ينطبق تماماً على ما يخص العلاقة بين المثقف العقلاني والمثقف الديني، وذلك من حيث التنافس الحاصل بينهما حول فهم الواقع وتفسيره، وحول العلاقة التي تربط العقل بالدين. فما يتصوره المثقف العقلاني من أن هناك تضاداً بين العقل والدين، وأن الأخير هو الجانب اللامعقول بالقياس إلى الأداة العقلية، وأن المحاكمة تظل في جميع الأحوال خاضعة للعقل دون غيره من الغيبيات، فكل ذلك يمكن الإجابة عليه بمثل ما ذكرناه بصدد المثقف العلموي.

فمن ناحية أن ما ذُكر من تضاد بين العقل والدين ليس صحيحاً، بل الصحيح أن يقال بأن هناك تضاداً بين النهجين البياني والعقلي، وقد يسفر هذا التضاد عن تناقض في مضامينهما، لكن ذلك لا شأن له بالدين وعلاقته بالعقل. وقديماً ظهر الكثير ممن يطرح فكرة التضاد من أصحاب النهج البياني، على الصعيدين الكلامي والفقهي. وواقع الأمر أن التضاد الذي ذكروه ليس تضاداً مع الدين، بل مع فهمهم له، فمن الواضح أن جميع المدارس والمذاهب الدينية تمارس أنماطاً من الإجتهاد في الدين دون أن تكون ناطقة عنه على وجه القطع. ولا يستثنى منها المدارس البيانية التي تعول على ظواهر النصوص وحرفيتها اللغوية. وربما يكون إبن رشد هو أول من أدرك الطابع الإجتهادي لتلك المدارس – بما فيها المدارس البيانية – بإعتبارها قائمة على بعض الأصول والمسلمات القبلية[8]. لذا كان علم الطريقة علماً حيوياً لدراسة الفكر الإسلامي عبر الكشف عن المولدات المعرفية والاسس القبلية لمناهج الفهم الديني[9].

عموماً لا يجد المثقف الديني في العقل ما يعارض المضامين الدينية. وبالتالي أنه لا يعتبر الدين شكلاً غير معقول مقارنة بالعقل. بل يرى أن أحدهما جاء ليشهد ما لدى الآخر. فالعقل مؤيد بالدين، والدين مؤزر بالعقل؛ بلا تناقض ولا تعارض. فأغلب القضايا الدينية هي مما يشهد عليها الوجدان العقلي بالاقرار، سيما تلك التي لها علاقة بالمصالح العامة. تظل هناك قضايا تعبدية وغيبية لا يعلم العقل عنها شيئاً، الأمر الذي ليس بغريب طالما أن ذلك يجري حتى في العلوم الطبيعية، حيث هناك من الخفايا ما يعجز العلم عن إدراكها.

أما علاقة المثقف الديني بالمثقف الميتافيريائي فيلاحظ أن للأول نوعاً من التعالي الغيبي يجعله من هذه الناحية لا يختلف عن الثاني. فكلاهما يستند إلى منظومة ميتافيزيائية متعالية رغم ما بينهما من تعارض على صعيد المحتوى. كذلك فإنهما يطمحان إلى تحقيق نموذج مثالي بحسب ما تمليه عليهما نزعتهما الميتافيزيائية المتعالية على التاريخ وظروفه الزمانية والمكانية. فما يطمح إليه المثقف الديني هو تحقيق الأمر الرباني المتمثل بخلافة الإنسان الصالح على أرض الواقع. وما يطمح إليه النموذج الميتافيزيائي، كما في الماركسية، هو تحقيق المجتمع الشيوعي (اللاطبقي) تبعاً للحتمية المادية والتاريخية المفترضة.

وبخصوص المثقف الذرائعي ففارقه عن المثقف الديني هو أنه من حيث نفعيته لا يملك تكويناً معرفياً محدداً، وبالتالي فهو بحاجة للإمتزاج بغيره من الأشكال الثقافية الأخرى. أما المثقف الديني فرغم أنه ليس خالياً من النفعية إلا أنه يعدها مؤطرة بإطار منظومته المعرفية والقيمية. وأعني أن النفعية لديه هي نفعية محكومة وليست منفصلة أو مستقلة عن تلك المنظومة.

وعلى العموم فإن الفارق بين المثقف الديني والعلماني يمكن لحاظه عبر تصور كل منهما لعلاقات الإنسان؛ علاقته بنفسه وبالمجتمع والطبيعة والميتافريقا الغيبية. فالمثقف الديني ينطلق من نظرية الإستخلاف وحمل الأمانة الربانية، لا من حيث الأمانة في قوله تعالى: ((إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبيْن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً))[10] فقط، ولا من حيث قوله تعالى: ((إن الأرض يرثها عبادي الصالحون))[11] فحسب، بل كذلك من حيث النبوءة التي تبشر بمغزى هذا الإستخلاف والذي عارض فيه المولى جل وعلا ما توقعته الملائكة بقوله: ((وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون))[12].

فعلى مثل هذه الآيات يقيم المثقف الديني تصوره الذي يؤسس فيه علاقات الإنسان المتعددة طبقاً لمفهوم الأمانة والإستخلاف، كالذي يلاحظ بوضوح لدى مثقفي ما بعد منتصف القرن العشرين[13]. مما يعني أن منطلقاته هي منطلقات متعالية غيبية، لكنه لا يفصلها عن أرض الواقع. فهو يعي أنها تتجسد في الواقع عند تحقق شروطها، ويرى أن الإسراع في التجسيد وأحكامه يتوقفان على فهم الموضوعات التي تناط بها تلك العلاقات، وهي كل من النفس والمجتمع والطبيعة والميتافيزيقا، ومنه تنشأ الحاجة إلى العلوم المتعلقة بها، بغية الإفادة منها في تأسيس علاقات مناسبة وتوظيفها للهدف المشار إليه.

ويبدو أن المثقف الديني لا يربط نظرية الإستخلاف بشكل النظام السياسي بقدر ما يربطها بوجود المجتمع الصالح، بحيث يرى كل صلاح في العلاقة الإنسانية تعبيراً عن تحقيق درجة من درجات الإستخلاف غير المنقطعة. والمطلوب هو توسيع رقعة الإستخلاف والشد على حمل الأمانة أكثر فأكثر.

والملاحظ أن لنظرية الإستخلاف عند المثقف الديني بعدين: ديني مجمل، وواقعي مفصل. فهو يرى أن هناك سنناً طبيعية مرصودة في الواقع ولها علاقة بالإستخلاف. وقد أشار إليها النص إجمالاً. ومن ذلك أن رشيد رضا يرى أن من السنن التي تفيد الغرض هي البقاء للأصلح، فهي سنة الله التي يتم بها الإستخلاف، والأصلح يتمثل بالصالحين ‹‹الذين يصلحون لاقامة الحق والعدل وسائر شرائع الله وسننه في العمران، ويدل عليه المثل المشهور في سورة الرعد: ((فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض))››[14]. بل انطلاقاً من هذه السنن فإن محمد رشيد رضا وأمثاله لا يتحفظون من إعتبار أحقية الغرب وصلاحه علينا طالما أنه يتفوق علينا تبعاً لسنة البقاء للأصلح والإستخلاف. فبحسب رأيه أن الغرب على الحق والصلاح وأنه أفضل من أخلاق ممالك المسلمين وأعمالهم وعدلهم وإصلاحهم وإتّباعهم لسنن الله في نظام الإجتماع والسياسة، ولولا ذلك ما إستطاعوا أن يتسلطوا على المسلمين[15].هذا هو الأساس المعرفي الذي ينطلق منه المثقف الديني في ربطه لعالم الغيب بالشهادة، أو النص بالواقع، مما يبرر إختلافه الجذري عن المثقف العلماني بجميع أشكاله وصوره. فليس من بين هذه الأشكال من يعد للحساب الغيبي إعتباراته في الحركة الإنسانية. وحتى الشكل الميتافيزيائي فإنه لا يرى الحركة الإنسانية ناشئة عن التخطيط الغيبي، بل هي نتاج عملية تاريخية حتمية تحكمها قوانين مادية معللة ذاتياً دون علل خارجية.

 

 



[1] قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، الأعمال الفكرية العامة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 1996م، ج1، ص74.

[2] كرين برينتون: تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقي جلال، مراجعة صدقي حطاب، سلسلة عالم المعرفة (82)، 1405هـ ـ1984م، ص124.

[3] انظر: علي حرب: أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1996م.

[4] إبن الجوزي: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ص193.

[5] الشافعي: الأم، ج7، ص250. وأبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية، ص460. والرويشد: قادة الفكر الإسلامي عبر القرون، ص61.

[6] الأعمال الكاملة، ج3، ص340.

[7] يقول محمد عبده بهذا الصدد: ‹‹لا بد أن ينتهي أمر العالم إلى تآخي العلم والدين على سنة القرآن والذكر الحكيم›› (الأعمال الكاملة، ج3، ص334).

[8] إبن رشد: مناهج الأدلة في عقائد الملة، تقديم وتحقيق محمود قاسم، مكتبة الانجلو المصرية، الطبعة الثالثة، ص134.

[9] لاحظ حول ذلك كتابنا: مدخل إلى فهم الإسلام، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 2012م.

[10] الأحزاب/72.

[11] الأنبياء/105.

[12] البقرة/30.

[13]  ابرز من مثّل هذا الخط هو المفكر الصدر. لاحظ: محمد باقر الصدر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ضمن سلسلة الإسلام يقود الحياة (4)، مطبعة الخيام، قم، 1399هـ.

[14] المنار، ج9، ص577ـ578.

[15] لاحظ: المنار، ج4، ص294.


comments powered by Disqus