-
ع
+

تصورات خاطئة (29) هل تنحصر الأوهام البشرية بأصنام بيكون؟

يتصور الكثير خطأً أن الأوهام البشرية لا تزيد على أربعة كما حددها فرانسيس بيكون خلال القرن السابع عشر..

والحال ان ما حدده بيكون انما يعود الى الأوهام التصديقية، في حين يضاف اليها ما نسميها الأوهام الصورية. فالأوهام التي تحدث عنها بيكون هي كل من:

1ـ أوهام القبيلة، أو أوهام الجنس البشري، إذ يشترك فيها البشر كافة. وفيها يتم فرض الميول الذاتية على الأشياء قبل القيام بمحاولات التجربة والإختبار.

2ـ أوهام الكهف، وهي تختص بالفرد وثقافته وظروفه الخاصة.

3ـ أوهام السوق، وهي أوهام اللغة. فالألفاظ اللغوية تتوسط في التعامل بين الناس فينشأ عنها الإستخدام الخاطئ من الخلط والمغالطات.

4ـ أوهام المسرح، وهي أوهام ناتجة عن النظريات والمعتقدات الخرافية، وعن القواعد المغلوطة للبرهان.

هذه هي أوهام بيكون الأربعة، ويلاحظ فيها ان أوهام القبيلة هي أقرب للأوهام الصورية منها إلى الأوهام التصديقية. وبعبارة أدق يمكننا إعتبارها تتضمن نوعين من الأوهام، هما الأوهام الصورية والتصديقية.

لكن يبقى الأصل في الأوهام يعود إلى جهاز الحس الصوري المركب فينا، ومن ثم من المحال علينا الخروج من سجننا الذاتي لنرى الأشياء على حقيقتها وجهاً لوجه كما هي. وفي الدعاء النبوي نقرأ: ربي أرنا الأشياء كما هي.

لذا فقد أخطأ بيكون حين اعتقد بأن من الممكن التخلص من جميع أنواع الأوهام عبر ما سماه الإستقراء الصحيح، أي استنطاق الواقع عبر التجارب والملاحظات والإختبارات، وذلك لأنه إذا كنّا نعتبر ان من ضمن الأوهام هي تلك المتعلقة بالجانب الصوري الأولي، فسوف نعجز عن تعديل هذا النوع. أيضاً إنه إذا كان من الممكن للفرد ان يتفادى الكثير من الوهم فإنه يعجز عن ان يتفادى جميع حالات الوهم باضطراد، لا سيما أوهام الكهف، وهو مبعث خطورتها.

يضاف إلى ما سبق وجود أوهام صورية أخرى تتصف بكونها عارضة وليست ثابتة وأولية كالسابقة، وهي قد تعبّر عن المعاني الذهنية والنفسية مثلما قد تعبّر عن المعاني الحسية. ومن أبرز ضحايا هذه الأوهام أولئك المصابون بالهلوسة والفصام والبارانويا وغيرها من الأمراض النفسية المعروفة. كما يتعرض لها الأفراد في المراحل الأولى من الطفولة، حيث يتخيلون أشياء خرافية أمام أعينهم. ومثلهم الذين يتناولون جرعات كبيرة من المسكرات وبعض أنواع المخدرات. كذلك يتبادر للأفراد أحياناً بعض من هذه الصور الوهمية عند حالة الاستفاقة والصحو من النوم مباشرة. وتظل هذه الأوهام طارئة ومتغيرة عادة، لكنها بالغة التأثير والوضوح، خلافاً للأوهام الصورية الأولى.

هكذا إذا أردنا ان نعيد صياغة لوحة الأوهام مع اعترافنا بأهمية ما قدمه بيكون في هذا المجال، فستكون كما يلي:

أ ـ أوهام صورية، وهي على صنفين كالتالي:

1ـ أوهام ثابتة أو أولية، وهي التي نتعرّف من خلالها على الأشياء الحسية مباشرة، وتعبّر عن الامتزاج بين الطبيعة الذهنية للإنسان والأشياء المدركة. وتتصف بأنها مشتركة بين البشر كافة.

2ـ أوهام طارئة خلّاقة، وهي غير متأصلة مثلما هي الحال لدى الأولى، كما تتصف بأنها غارقة في الوهم الخلّاق والتأثير الذاتي خلافاً لما قبلها، وتحدث لأسباب طارئة كثيرة. ويتحقق ظهورها أول الأمر لدى الأطفال الصغار عندما يتخيلون وجود أشياء لا يدل عليها الحال. وبالتالي تتصف بأنها أحد مصادر أوهام الكهف التصديقية.

ب ـ أوهام تصديقية، وهي ذاتها التي طرحها بيكون والتي سبق عرضها.

comments powered by Disqus