-
ع
+

تصورات خاطئة (27) هل يتطابق القرآن المدوّن مع القرآن المشافه لدى المتلقي؟

 يتصور الكثير خطأً أن القرآن المدوّن (المصحف) يتطابق مع القرآن المشافه لدى المتلقي..

والحال ان القرآن المشافه هو خطاب يتصف بسياقين: دلالي وظرفي، في حين إن القرآن المدوّن لا يمتلك سوى سياق واحد فقط هو السياق الدلالي. فالأول متضمن للثاني، وأن الأخير يشكل جزءاً من الأول.

فكل خطاب (مشافه) ما ان ينتهي ويتحول إلى نص (مكتوب) الا ويفقد سياقه الظرفي، فوجوده ملازم لهذا السياق، وهو ما يهبه حيوية ودلالة أعظم من تلك التي للنص، فهو الأصل الحامل للحقيقة، خلافاً للأخير الحامل لدلالة التأويل والهرمنوطيقا، وهو ما يفتح عليه باب ما يسمى «فائض المعنى».

وبعبارة ثانية، إن النص لا يؤدي ذات المعنى الذي يؤديه الخطاب، فمن الناحية السيميائية أن ما يفاد منهما من دلالات ليست متطابقة، فما يمتاز به الخطاب هو الجمع بين أمرين: كلام مشافه مع واقع حي متفاعل. في حين يتصف النص بالتجريد دون أن يحتفظ بالواقع الحي الذي يقتضيه الخطاب. فالجهة التي يستهدفها الأخير هي جهة اجتماعية حاضرة ومشخصة ولها حدود، مما يجعل العلاقة بين المخاطِب والمخاطَب علاقة تواصلية حيث التفاعل والجدل والتعاطي المتبادل، وبالتالي فإنها تعبّر عن المعنى الإجتماعي بحكم هذا التفاعل المباشر. في حين إن النص يستهدف جهة إنسانية لا تتصف بالحضور المباشر والتشخيص ولا بالحدود، وهي بالتالي جهة مجهولة، مما يجعل العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة إنفصالية نيابية غير تواصلية. فما موجود هو الأثر المكتوب المعبّر عنه بالنص، أما صاحبه فقد غاب وانتهى. فعلاقة القارئ المباشرة إنما هي مع النص دون الكاتب، وهي قائمة على التلقي دون التفاعل والجدل. لذلك فما يمتاز به الخطاب من التشكيلة المزدوجة للكلام المشافه والواقع يجعله يحمل دلالات عالية للمعنى الحقيقي، خلافاً لما عليه النص، فحيث انه مجرد عن الواقع الحي فذلك يجعله حاملاً لدلالات ناقصة من المعنى الحقيقي. لذلك يأتي التعويض عن هذا النقص الطبيعي بما تقوم به (عين القارئ) الفاحصة أو الموضوعية من إصلاح لكل ما يصادفها من اختلال في النسق الدلالي؛ كمحاولة منها للتقرب من المعنى المقصود. وهنا نفهم لماذا تتعدد القراءات وتتكثر، فلولا وجود ذلك النقص من البعد عن حقيقة المراد لما تكثرت القراءات والتأويلات. فالنص يتمتع بالإنفتاح على القرّاء والأجيال بلا حدود، حيث لم يعاصروا تلقياته وتجلياته المباشرة عبر الخطاب، وهو ما يرضي أصحاب النزعات التأويلية والرمزية، كما ويرضي أصحاب النزعات الأدبية وفن القراءة والتلقي والتفكيك. وكلما كان النص أكثر غموضاً وعتمة كلما استفاض بالقراءات والتأويلات، أي كلما كانت ذاتية القارئ تلعب فيه دوراً أكبر مقارنة بالنصوص الواضحة.

هكذا فالذين يبحثون عن المعنى المطابق والقصد الموضوعي عبر اللغة وسياقاتها وقرائنها الداخلية والخارجية فإنهم يدركون بأن النص في هذه الحالة لا يفي بالمطلوب كما يفيه الخطاب، وبالتالي كان الأخير مفضلاً عندهم قياساً بالنص.

يضاف إلى أنه من حيث التكوين النفسي أو الذاتي فإن الخطاب هو أصل للنص وسابق عليه، لأن كل أثر مكتوب لا بد من ان يكون نتاج قول أو كلام، وهو ما نعبّر عنه بلغة الأشاعرة بالكلام النفسي. وبالتالي جاز أن يتحول الخطاب إلى نص من دون عكس. والخطاب من هذه الناحية له صفة غريزية فطرية خلافاً للنص المتصف بالاصطناع والتكلف. فمن حيث التكوين الذاتي يكون الفكر سابقاً للكلام، وكلاهما فطريان، والكلام سابقاً للنص، خلافاً لبعض أدبيات ما بعد الحداثة كما تتمثل في إتجاه جاك دريدا. أو لنقل إن الفكر هو علة الخطاب، والخطاب علة النص أو الأثر المكتوب، وكما أشرنا إلى أن الأخير ذو خاصية مصطنعة غير فطرية. ويؤيد هذا المعنى ما يراه عالم النفس التكويني بياجيه من ان البناء المعرفي لدى الطفل سابق على اللغة كما في الحس الحركي، فالتنسيق الذي يعتمده الطفل في مستوى الفعل يشكل قاعدة تتأسس عليها البنيات المنطقية لاحقاً، وبالتالي فإن الجذور المنطقية للتفكير تتقدم على اللغة زماناً.

إذاً الخطاب هو الأصل، سواء من حيث الإعتبارات الإنثروبية والتكوينية، أو من حيث السبق التاريخي، وكذا بإعتبار المعنى الإبستيمي بحمله للحقيقة، أما النص فهو التابع والظل الذي ليس بمقدوره الكشف عن كافة تجليات الحقيقة التي يتمتع بها الأول.

وطبقاً لما سبق إن نسبة ما يمكن ان يؤديه النص من دلالات كشفية معبرة عن المعنى الحقيقي المقصود هي نصف ما يقدمه الخطاب أو أقل من ذلك. فاذا كان الخطاب يمنحنا نسبة دلالية معبرة عن هذا المعنى بما يقارب ثمانين بالمائة مثلاً؛ فإن ما يقدمه النص من هذه الدلالة هي أربعين بالمائة أو أقل. وهذه النسبة العددية هي للإيضاح، وإلا فأي نسبة تطرح بهذا الصدد هي نسبة خاطئة. إذ لا يمكن وضع مقارنة رياضية بين ما يؤديه الطرفان من كشف دلالي، طالما أن الخطاب يتضمن أمرين غير متماثلين، هما الكلام المشافه والواقع، خلافاً للنص الذي يعبّر عن الكلام المجرد أو المدوّن.

مع هذا يمكن ان نصيغ الفارق بين النص والخطاب رياضياً كالتالي:

السياق اللفظي ← النص

السياق اللفظي + سياق الواقع الظرفي ← الخطاب

ومن حيث التعويض ستكون النتيجة كما يلي:

النص + السياق الواقعي ← الخطاب

وبتعبير رمزي آخر تتخذ العلاقة بين الخطاب الديني والنص شكلاً مناطاً بالقرآنين المشافه والمدوّن كالتالي:

القرآن المشافه = القرآن المدوّن + السياق الواقعي

ونضيف إلى أنه حينما تحوّل القرآن المشافه إلى كتاب مدوّن؛ فقد أخذ يحمل تسلسلاً آخر لا تبدو الإرتباطات فيه واضحة المعنى أو الاتساق، سواء من حيث سوره أو حتى بعض آياته. وقد اختلف العلماء حول الكيفية التي جرت وأدت إلى ترتيبه بالشكل الذي نراه. ومن الناحية الدلالية ولّد هذا الترتيب بعض المشاكل، فلو اقتصرنا على وضع الآيات نجد أن بعضها جاء في أمكنة هي ليست أمكنتها الحقيقية. فقد يكون الأصل لبعض الآيات منتمياً إلى وضع محدد من سورة معينة؛ لكننا نجدها في النص المدوّن ضمن سورة أخرى مختلفة، أو ضمن وضع آخر مختلف من نفس السورة. أو يكون الأصل الخطابي للآية مكياً؛ لكننا نجدها ضمن سورة مدنية، وكذا العكس. وبالتالي فإن ذلك قد خلق مشكلة أخرى قد ألقت بظلالها على الفهم.

هكذا يتبين أن القرآن المشافه هو الأصل، وهو ما يمثل الوحي بكل ما يتضمن من تنزيل أصيل لا إجتهاد فيه. أما القرآن المدوّن فهو مستنسخ عن الأول مع فقده للكثير من الدلالات والإيحاءات، ومع ما تضمنه من إجتهاد جعله لا يحتفظ بالوحي المتأصل في الأول، فعلى الأقل إن ترتيب السور في القرآن المدوّن قد جرى بفعل إجتهادي، وهو لا يطابق ما كان عليه التنزيل في القرآن المشافه. لهذا كان للواقع دور عظيم في تيسير فهم القرآن عندما كان مشافهاً. ولذلك دلالة أخرى، وهي أن وحي القرآن قد استهدف – أساساً - المجتمع الحي الذي تنزّل فيه؛ بكل ما يحمله من خصوصيات وسياقات تاريخية، مما جعل العلاقة بينه وبين الواقع علاقة تأثير مباشر، أما بعد غياب هذا الواقع فلم يعد للوحي تلك العلاقة من التأثير المباشر. بل يمكن القول إن التحول والتغيير قد أصاب الطرفين، فلم يعد الوحي كما كان من قبل بعد أن تحول إلى قرآن مدوّن، كما لم يعد الواقع هو ذاته الذي قصده الوحي بالتنزيل والتأثير. فقد كانت العلاقة بين الوحي كخطاب منزل والواقع الذي تنزل فيه علاقة متكاملة، فكان من الميسّر على المتلقي ان يفهم معاني ومقاصد التنزيل، وهو الحال الذي تغير من الجهتين؛ حيث غياب الواقع وتحوّل الوحي المشافه إلى قرآن مدوّن، الأمر الذي أدى بالفهم إلى ان تنتابه المصاعب، وقد ازداد الحال كلما طال الزمن. 

comments powered by Disqus