-
ع
+

تصورات خاطئة (18) هل كل ما هو عقلي ضروري بالضرورة؟

يتصور الكثير خطأً أن كل ما هو عقلي هو ضروري، وكل ما هو ضروري هو عقلي..

والحال ان بعض ما هو عقلي ليس ضرورياً.. فالإعتقاد بالواقع الإجمالي للعالم ليس من المعارف الضرورية، رغم انه من القضايا العقلية الوجدانية التي لا تخضع للاستدلال. وسبق للمفكر محمد باقر الصدر ان حاول الاستدلال على هذا الواقع استقرائياً من خلال الاعتماد على التمايز في الاتساق والنظام بين الواقع والحالة الذاتية، فهو ينمي القيمة الإحتمالية للواقع عبر لحاظ الثبات الذي يمكن تفسيره بقوة تبعاً للواقع مقارنة بالحالة الذاتية، أو عبر ما نتحسس به من نسق وانتظام في إقتران حادثتين مع بعض[1]. لكن تظل هذه التنمية تفترض بعض القضايا المصادرة سلفاً ليتم نجاحها. واذا كنا لا نميز عادة بين اليقظة والمنام إلا من هذه الناحية، فإن ذلك - في حد ذاته - لا يدل على إثبات الوقائع الجزئية. فقد يفترض البعض عكس ما نريد إثباته، وهو ان ما نراه مناماً يراه واقعاً، وما نراه واقعاً يراه مناماً، وان الثبات والاتساق الملحوظ هو ثبات واتساق في المنام لا الواقع. فهذا الإفتراض لا يمكن الإستدلال على نفيه أو ضده، كذلك لا يمكن الإستدلال على نفي الإفتراض الذي يرى ان كلاً من الاتساق وعدمه هما من حالات الرؤيا الدائمة، وبالتالي فإن التمييز بين ما يعد من عالم الرؤيا وما يعد من عالم اليقظة لا يفيد في المسألة المطروحة. بل وان الطريق الذي اتخذه المفكر الصدر في إثبات الواقع المجمل عبر الوقائع الجزئية هو طريق غير صحيح، ذلك لأن هذه الأخيرة لا تثبت ما لم يفترض الأول سلفاً.

وعليه فالإستدلال على الواقع الموضوعي مستحيل، رغم اننا على يقين به وجداناً، مثلما نكون على يقين من ضرورة بعض المبادئ العقلية غير المنطقية؛ كمبدأ السببية العامة، وكون الشيء الواحد لا يمكن أن يكون في أكثر من مكان في الوقت نفسه، أو ان يكون شيئان في ذات المكان الواحد في الان نفسه، إذ ليس لدينا من الدليل ما يؤكد هذه القضايا غير الشعور والكشف. إلا ان مثل هذه المبادئ تختلف عن مسألة واقعية العالم، فنحن نستمد يقيننا من الأولى بضرورتها الوجدانية، في حين ليس هناك احساس بضرورة تلك المسألة، فلا مانع عقلياً من أن تكون حقيقة الأمر خلاف ما نتحسس به وجداناً، رغم أن شعورنا الذاتي لا يحتمل هذا المعنى. ونحمد الله على هذه الالفة والغريزة التي لم تدع مجالاً لعقول الناس ان يبثوا فيها روح التردد والتشكيك، أو ان يعاملوها على مستوى ما يعاملون به القضايا الأخرى.



[1]           الاسس المنطقية للاستقراء، ص454ـ462.

comments powered by Disqus