-
ع
+

تصورات خاطئة (17) هل الضرورة العقلية واحدة؟

يتصور الكثير خطأً أن الضرورة العقلية واحدة لا تتعدد.. والحال انها على أصناف مختلفة من حيث النوع كالتالي:

1ـ الضرورة المنطقية، مثل قضية مبدأ عدم التناقض والواحد المضاف إلى مثله يساوي إثنين. وهذه المعرفة لا علاقة لها بالواقع عندما تعبّر مقدماتها عن قضايا مفترضة.

2ـ الضرورة الوجدانية الإخبارية، مثل مبدأ السببية العامة القائل أنه لا حادثة من غير سبب ما يوجدها، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون في أكثر من مكان في نفس الوقت، وكذا لا يمكن أن يكون شيئان في ذات المكان الواحد بنفس الوقت. وهذه المبادئ تتصف بالضرورة العقلية، بمعنى أن العقل يدرك حتمية ما تتضمنه هذه القضايا، والضرورة فيها ليست منطقية كالتي عليها الحالة السابقة، بل هي من نوع آخر، إذ عدم التسليم بها لا يفضي إلى مشكلة منطقية كالتناقض، وكل ما في الأمر أن عقلنا يستبعد تماماً أن يجد شاهداً يكذبها، ومن يشك في ذلك فعليه التحقيق، خلافاً للقضايا المنطقية التي لا تقبل مثل هذا الشك والتحقيق. فالفارق بين المجموعتين من القضايا هو أن المعرفة في القضايا الإخبارية تتميز بالضرورة الوجدانية، وأن اللابدية فيها تتصف بالتحدّي، في حين تتصف الضرورة في المجموعة الأولى بالمنطقية، وأن اللابدية فيها لا تقبل التحدي.

3ـ الضرورة الإحتمالية، وتتصف بأن إخبارها عن الواقع الموضوعي لا يطابق غالباً ما عليه الواقع، خلافاً للضرورة الوجدانية الإخبارية التي تشترط مطابقة الواقع حتماً. فمثلاً أن قيمة إحتمال ظهور وجه الصورة لرمية واحدة لنقد متماثل الوجهين تساوي (1\2)، وهي قضية ضرورية لا شك فيها، لكن يتفرع عنها بعض القضايا والنتائج المفارقة حسب القياس المنطقي كالتالي:

إن قيمة إحتمال ظهور وجه الصورة لكل نقد منتظم تساوي (1\2) بالضرورة، وحيث أن هذه قطعة نقد منتظمة، لذا فقيمة إحتمال ظهور الصورة فيها تساوي (1\2) بالضرورة أيضاً، طالما كنا متأكدين من انتظام القطعة. وبالتالي فقد استنتجنا الجانب العقلي للقضية الجزئية. لكننا حين نرمي هذه القطعة النقدية عدداً من المرات، ولنفترض عشر مرات، فسوف نلاحظ أن نتائج ظهور وجه الصورة لا يؤدي بالضرورة إلى القيمة الإحتمالية النصفية، فقد تكون أكثر أو أقل من ذلك، بل الغالب أنها لا تكون نصفاً، لأسباب ذكرناها في بعض دراساتنا المستقلة[1].

4ـ الضرورة القيمية، وهي معرفة وجدانية عقلية كالحسن والقبح العقليين، رغم أنها ليست بصدد الإخبار عن أشياء الواقع الموضوعي أو التطابق معها، وليس لها علاقة بالقضايا المنطقية المجردة، بل لها ما يجعلها حالة أخرى تختلف عن جميع الحالات التي مرت معنا، حيث تتضمن الكيفية القيمية كما بحثناها في دراسة مستقلة[2].



[1]   الإستقراء والمنطق الذاتي، ص310ـ313 و450.

[2]           انظر: العقل والبيان والاشكاليات الدينية.

comments powered by Disqus